جدیدترین مطالب
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
أحدث المقالات
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
علاقة أوروبا بالولايات المتحدة في عهد ترامب وتأثيرها على السلام في أوكرانيا وأمن أوروبا

أكبر محمديان ـ خبير في القضايا الدولية
هذه التغييرات لم تؤثر فقط على العلاقات عبر الأطلسية، بل أيضاً ألقت بظلالها على أمن أوروبا والجهود الرامية لتحقيق السلام في أوكرانيا.
الولايات المتحدة والنظرة التجارية للعلاقات الدولية
أحد الخصائص الرئيسية للسياسة الخارجية لترامب هي النظرة التجارية للعلاقات الدولية. فقد أكد ترامب مراراً أن الولايات المتحدة يجب أن تجني من كل اتفاق أو مشاركة دولية فائدة مباشرة وتتجنب التكاليف غير الضرورية. تتجلى هذه النظرة بوضوح في مقاربته تجاه حلف الناتو، والاتحاد الأوروبي، وحتى أزمة أوكرانيا.
في مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير/شباط 2025، أعلن كيث كيلوغ، مبعوث ترامب لأوكرانيا، أن الاتحاد الأوروبي لن يُشارك في مفاوضات السلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا. هذه التصريحات تعكس رغبة الولايات المتحدة في استبعاد أوروبا من عملية المفاوضات والتركيز على التوصل إلى اتفاق سريع وعملي مع روسيا. وأكد كيلوغ أن وجود عدد كبير من الدول في المفاوضات السابقة، على سبيل المثال في إطار مجموعة مينسك، قد أدى إلى الإخلال بالعملية. تظهر هذه المقاربة أن الولايات المتحدة، بدلاً من التعاون المتعدد الأطراف، تسعى إلى اتفاق ثنائي مع روسيا يحقق أقصى قدر من مصالحها.
دفعت هذه النظرة التجارية الأوروبيين إلى التشكيك في دور الولايات المتحدة كحليف موثوق. فقد أظهرت الاستطلاعات التي أجراها المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) أن معظم الأوروبيين لا يرون الولايات المتحدة كحليف، بل كشريك ضروري يجب التعاون معه استراتيجياً. هذا التغيير في النظرة يعكس تراجع الثقة في الولايات المتحدة خلال فترة ترامب.
غلبة فكرة أمريكا أولاً وتأثيرها على أمن أوروبا
شعار “أمريكا أولاً” الذي أطلقها ترامب لم يؤثر فقط على السياسة الداخلية في الولايات المتحدة، بل ألقي بظلاله أيضاً على السياسة الخارجية للبلاد. هذه النظرة جعلت الولايات المتحدة تبتعد عن التزاماتها التقليدية تجاه أوروبا وتبحث بشكل أكبر عن مصالحها قصيرة المدى. على سبيل المثال، طلب ترامب مراراً من الدول الأعضاء في حلف الناتو زيادة ميزانياتها الدفاعية، وحتى اقترح أن هذه الدول يجب أن تخصص 5٪ من ناتجها المحلي الإجمالي لميزانية الدفاع.
هذه الضغوط جعلت الأوروبيين يفكرون في زيادة قدرتهم الدفاعية. أكد فرانك والتر شتاينماير، الرئيس الألماني، في مؤتمر ميونيخ أن النفقات الأمنية يجب أن تزيد لمنع نشوب الحروب. كما حذر من أن الاتفاقات السريعة وبدون مشاركة أوروبا قد تضعف أمن القارة. هذه المخاوف تُظهر أن أوروبا تستعد لمستقبل غير مؤكد.
رغم ذلك، فإن زيادة النفقات الدفاعية وحدها لا يمكن أن تحل محل التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. فالاتحاد الأوروبي لا يزال بحاجة إلى دعم الولايات المتحدة في مواجهة تهديدات مثل روسيا والصين. غير أن نهج ترامب يعني أن أوروبا بحاجة إلى أن تعتمد أكثر على نفسها وأن تجد حلولاً مستقلة لضمان أمنها.
تأثير العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا على السلام في أوكرانيا
أحد أكبر التحديات التي تواجه أوروبا والولايات المتحدة هو أزمة أوكرانيا. قد أعلن ترامب عدة مرات أنه يسعى إلى التوصل إلى اتفاق سريع مع روسيا لإنهاء حرب أوكرانيا. مع ذلك، أثارت هذه المقاربة قلقاً لدى الأوروبيين. حذر العديد من القادة الأوروبيين، بما في ذلك أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، من أن أي اتفاق يجب أن يكون لصالح أوكرانيا وألّا يُسمح لروسيا بالهجوم على جيرانها دون مواجهة عواقب جدية.
تُظهر استطلاعات المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) أن معظم الأوروبيين يتوقعون أن تؤدي الحرب في أوكرانيا إلى اتفاق من خلال المفاوضات، غير أن العديد منهم متشائمون بشأن جهود ترامب من أجل السلام. في بعض الدول مثل الدنمارك وبولندا، تعتقد الغالبية أن أوروبا يجب أن تدعم أوكرانيا للاستمرار في الحرب، بينما في دول مثل هنغاريا وبلغاريا، هناك ميل أكبر للضغط على أوكرانيا لقبول المفاوضات.
قد تؤدي هذه الاختلافات الداخلية في أوروبا إلى إضعاف موقف القارة في أي مفاوضات سلام. وإذا لم تتمكن أوروبا من تبني موقف موحد تجاه أوكرانيا، فقد تضطر إلى قبول اتفاقية تصب في مصلحة روسيا، مما يهدد الأمن طويل الأمد لأوروبا.
خيارات أوروبا في علاقاتها مع الولايات المتحدة
نظراً للتغيرات التي طرأت على السياسة الخارجية للولايات المتحدة والنظرة التجارية لترامب، يجب على أوروبا البحث عن طرق لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة وتعزيز التعاون الداخلي بين دول القارة. بعض الحلول الممكنة تشمل:
1- تعزيز القدرة الدفاعية لأوروبا: يجب على أوروبا السعي لزيادة الإنفاق الدفاعي وإنشاء قوة عسكرية مستقلة من أجل حماية أمنها دون الاعتماد على الولايات المتحدة.
2- تعزيز التعاون داخل الاتحاد الأوروبي: يجب على أوروبا السعي لتبني مواقف موحدة تجاه القضايا الدولية، بما في ذلك أوكرانيا وروسيا، لكي تتمكن من التصرف بشكل أكثر فاعلية في المفاوضات الدولية.
3 – تنويع الشركاء الدوليين: يمكن لأوروبا السعي لتعزيز علاقاتها مع دول أخرى مثل الصين والهند وإيران.
4 – الحفاظ على التعامل مع الولايات المتحدة، ولكن بحذر: بالتزامن مع ضرورة الحفاظ على علاقتها مع الولايات المتحدة، يجب على أوروبا، أن تتجنب في الوقت نفسه الاتفاقات أحادية الجانب التي قد تضر بأمن القارة.
الخلاصة
لقد أدخلت الولاية الثانية لترامب العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة إلى مرحلة جديدة ومتوترة. لقد تسببت النظرة التجارية لترامب للعلاقات الدولية وشعار “أمريكا أولاً” في تقليل الثقة بين الأوروبيين والولايات المتحدة وزيادة القلق بشأن أمن القارة. فيما يتعلق بأوكرانيا، قد تؤدي الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا إلى اتفاق يكون في مصلحة روسيا ويهدد الأمن طويل الأمد لأوروبا.
بينما يظل مستقبل العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة غير محدد، يمكن لأوروبا من خلال تعزيز قدرتها الدفاعية، وتبني مواقف موحدة تجاه القضايا الدولية، وتنويع شركائها الدوليين، أن تحمي نفسها من الأضرار الناجمة عن التغيرات في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وأن تكون جاهزة للانتقال إلى مسار آخر نحو الأمن والاستقرار إذا لزم الأمر.
0 Comments