المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يُعتبر القانون الجنائي الدولي أحد الأركان الرئيسية للنظام الدولي، وهو قائم على مبادئ مثل العدالة، والمساواة أمام القانون، ومكافحة الإفلات من العقاب. ومع ذلك، فإن سلوك بعض الدول الغربية، وخاصة تجاه الكيان الصهيوني، يُظهر تطبيق معايير مزدوجة وإضعاف أسس سيادة القانون.
أعظم محمدي ـ خبيرة في مجال حقوق الإنسان
الغرب، من خلال عدم تنفيذ التزاماته بموجب نظام روما الأساسي، يعمل على تقويض القانون الجنائي الدولي. ومن الأمثلة الأخيرة على ذلك دعوة ألمانيا لبنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان الصهيوني، على الرغم من وجود مذكرة اعتقال صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، مما ستكون له عواقب جدية على ألمانيا والمحكمة والمجتمع الدولي.
ازدواجية معايير الغرب وانتهاك حقوق القانون الجنائي الدولي
لطالما قدم الغرب، وخاصة دول مثل ألمانيا والولايات المتحدة، نفسه كمدافع عن حقوق القانون الدولي والعدالة الجنائية. ومع ذلك، فإن سلوكهم تجاه الكيان الصهيوني يظهر تطبيق معايير مزدوجة. على سبيل المثال، بالرغم من أن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 مذكرات اعتقال بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، وزير الدفاع السابق لهذا الكيان، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة، فإن ألمانيا، بصفتها عضوة في نظام روما الأساسي، لم ترفض تنفيذ هذا الأمر فحسب، بل دعت نتنياهو رسمياً لزيارة البلاد. هذه الخطوة لا تمثل فقط انتهاكاً واضحاً للالتزامات الدولية لألمانيا، بل تعكس أيضاً تجاهلاً لمبدأ المساواة أمام القانون.
وفقًا للمادة 86 من نظام روما الأساسي، يتعين على الدول الأعضاء التعاون الكامل مع المحكمة الجنائية الدولية. يتضمن هذا التعاون تنفيذ مذكرات الاعتقال وتسليم المتهمين إلى المحكمة. وباعتبارها عضواً مؤسساً للمحكمة، فيتعين على ألمانيا الوفاء بهذه الالتزامات. ومع ذلك، فإن دعوة نتنياهو والإعلان عن عدم إمكانية إعتقاله، يمثلان انتهاكاً صارخاً للمادة 86 و غيرها من مواد نظام روما الأساسي. هذا السلوك لا يقوض مصداقية المحكمة فحسب، بل ويعكس أيضاً تجاهلاً لمبدأ سيادة القانون.
عواقب عدم تنفيذ مذكرة الاعتقال من قبل ألمانيا
عدم تنفيذ مذكرة الاعتقال ضد نتنياهو من قبل ألمانيا يحمل عواقب جدية لهذا البلد، والمحكمة الجنائية الدولية، والمجتمع الدولي:
أ) العواقب على ألمانيا
إضعاف المصداقية الدولية: ألمانيا، باعتبارها واحدة من المدافعين الرئيسيين عن الالتزام وتنفيذ القانون الدولي، تفقد مصداقيتها كمدافع عن العدالة الجنائية من خلال هذا الإجراء.
المسؤولية الدولية: عدم تنفيذ مذكرة الاعتقال قد يؤدي إلى تقديم شكاوى ضد ألمانيا في الهيئات الدولية.
تقويض العلاقات مع دول أخرى: هذا الإجراء يمكن أن يضعف علاقات ألمانيا مع الدول التي تطالب بتنفيذ العدالة بشأن جرائم الكيان الصهيوني.
ب) العواقب للمحكمة الجنائية الدولية
إضعاف سلطة المحكمة: إذا لم تلتزم الدول الأعضاء بالتزاماتها، فإن سلطة المحكمة وفعاليتها ستضعف بشكل كبير.
خلق ممارسة خطيرة: يمكن أن يؤدي هذا الإجراء إلى خلق ممارسة خطيرة تتمثل في امتناع الدول القوية عن تنفيذ أحكام المحكمة.
إنعدام الثقة العامة: تنعدم ثقة المجتمع الدولي في المحكمة كهيئة محايدة ومستقلة.
ج) العواقب على المجتمع الدولي
تقويض سيادة القانون: عدم تنفيذ مذكرة اعتقال نتنياهو يشير إلى إضعاف سيادة القانون في النظام الدولي.
تعزيز الظلم: يؤدي هذا الإجراء إلى تفاقم الظلم تجاه ضحايا جرائم الحرب ويخلف عواقب نفسية واجتماعية شديدة عليهم.
المساعدة على الإفلات من العقاب: إذا بقي نتنياهو محصناً من العقاب بسبب دعم الغرب، فإن ذلك يرسل رسالة إلى قادة العالم الآخرين بأنهم يمكنهم الهروب من العدالة بدعم من القوى الكبرى.
دور الغرب في إضعاف القانون الدولي الجنائي
الغرب، من خلال دعمه السياسي والعسكري والدبلوماسي للكيان الصهيوني، لم يسهم فقط في انتهاك حقوق القانون الدولي، بل سعى أيضاً من خلال الضغوط السياسية إلى منع تنفيذ العدالة تجاه جرائم هذا الكيان. على سبيل المثال، الولايات المتحدة، التي ليست عضواً في نظام روما الأساسي، قد دعمت دائماً الكيان الصهيوني، بل وضغطت على المحكمة الجنائية الدولية باستخدام أدوات ضغط والعقوبات بسبب تحقيقاتها في جرائم هذا الكيان. هذه التصرفات تعكس جهود الغرب لخلق نظام ازدواجي في القانون الدولي تتمتع فيه بعض الدول والقادة بالحصانة.
إن تطبيق الغرب لمعايير مزدوجة تجاه الكيان الصهيوني، لا يقوض أسس سيادة القانون والقانون الجنائي الدولي فحسب، بل يشكك أيضاً في مصداقية مؤسسات مثل المحكمة الجنائية الدولية. ألمانيا، باعتبارها عضوة في نظام روما الأساسي، تتحمل مسؤولية كبيرة تجاه إضعاف العدالة الدولية من خلال دعوتها لنتنياهو وعدم تنفيذ مذكرة اعتقاله. إذا لم يستجب المجتمع الدولي لهذه التصرفات، سنشهد تصعيداً للظلم وإضعافاً أكبر لسيادة القانون على المستوى العالمي. من الضروري، للحفاظ على مصداقية القانون الجنائي الدولي، أن تفي الدول الأعضاء بالتزاماتها وأن تمتنع عن تطبيق معايير مزدوجة. حينها فقط يمكن أن نأمل في تحقيق العدالة والسلام الدائم في العالم.
0 Comments