المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: بعد اندلاع الاشتباكات بين الدروز والعشائر البدوية في محافظة السويداء، دخل الكيان الصهيوني على الخط لصالح الدروز، وشنّ غارات جوية على سوريا استمرت لثلاثة أيام. ورغم أن هذا التوتر انتهى في نهاية المطاف بهدنة هشة، فما الذي يكمن وراء كواليس هذا التوتر والصراع بين الكيان الصهيوني والحكومة المؤقتة بقيادة أحمد الشرع، أو ما يعرف بأبي محمد الجولاني؟
حسين آجورلو ـ خبير في شؤون أمن غرب آسيا
فيما يتعلق بالتطورات الأخيرة في السويداء والغارات الجوية التي شنها الكيان الإسرائيلي على سوريا بحجة دعم الدروز، هناك ثلاث روايات مطروحة: الرواية الأولى هي أن هذه التطورات كانت عملاً منسقاً مسبقاً بين الجولاني والكيان الصهيوني، جرى في أعقاب اجتماعات عقدت في أبوظبي وباكو. ويقال إن هذه الاجتماعات أفضت إلى اتفاق يقضي بأن تُدار منطقة الجولان وبعض المناطق المحيطة بها بشكل غير مسلح، كجزء من خطة إسرائيلية تمهّد لتطبيع العلاقات بين سوريا والكيان الإسرائيلي. وبما أن الجولاني كان يخشى ردود الفعل الداخلية في سوريا بشأن موضوع التطبيع، فقد دخل الطرفان في هذا المسار لتندلع هذه الاشتباكات، ونتيجةً لهذه الاشتباكات ووقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه، أصبحت المنطقة عملياً منزوعة السلاح.
الرواية الثانية تفيد بأن عملية التطبيع بين سوريا والكيان الاسرائيلي كانت جارية، والغرب دعم الجولاني في هذا الاتجاه، كما أن جهود ترسيخ حكمه كانت في طور التقدم. وعليه، رأى الصهاينة أن الوقت مناسب لاتخاذ بعض الخطوات لمنع استقرار الوضع القائم؛ أي إنهم، باعتقادهم، وجدوا أن الجولاني لن يرد بعنف على الهجمات الإسرائيلية لأنه منخرط في مفاوضات مع الغرب. وفي هذه الحالة، تتحقق أهداف هذا الكيان، إذ يتم تعزيز سيطرته على الجولان المحتل، وتجريد المناطق المحيطة من السلاح.
الرواية الثالثة تقول إن السبب الأساسي للأحداث الأخيرة هو شعور بعض العشائر والقبائل الدرزية في السويداء بأن الحكومة الجديدة في طريقها إلى الترسخ، وأنهم لن يكون لهم تأثير في مستقبل سوريا، فاندفعوا للقيام بدور ما يعيد صياغة مكانتهم في المعادلة السورية المقبلة.
ومن الواضح أن أياً من هذه الروايات لا يمكن الجزم بدقتها أو اعتبارها محكمة الإطار، لكنها تظل جديرة بالاهتمام في ضوء مسار التطورات.
وعلى العموم، فإن الكيان الاسرائيلي يسعى، في كل الظروف، إلى فرض نظام أمني جديد في محيطه الإقليمي، ومنها سوريا، ويرتكز هذا النظام على عدة أسس: أولاً؛ على الصعيد السياسي، يريد الكيان الاسرائيلي أن تتولى الحكم في دول الجوار حكومات لا تعاديه، وإن لم تكن ترغب في التطبيع معه، فلا تكون في حالة صدام معه. كما يبدو أن هذا السيناريو بات قابلاً للتصور في لبنان.
ثانياً؛ يسعى الكيان الاسرائيلي إلى نزع سلاح المناطق المحيطة به فعلياً، وهو ما حدث في جنوب نهر الليطاني، وفي غزة أيضاً جرى إلى حدٍّ ما نزع سلاح قوى المقاومة هناك. أما في سوريا، فتأتي تحركات الكيان في سياق منع تعاظم قدرة فصائل المقاومة مستقبلاً.
وأخيراً، يسعى الكيان الإسرائيلي إلى صياغة نظام إقليمي جديد في المنطقة يمكّنه من تحويل فلسطين المحتلة إلى مركز اقتصادي، من خلال ربطها بممرات متعددة الأبعاد، حيث تتشكل فيها المعادلات الاقتصادية والتكنولوجية في غرب آسيا.
وفي هذا السياق، وبما أن أسس سلطة الجولاني لم تُرسخ بعد، وبالنظر إلى مقاربته للأحداث، يبدو أنه يهتم أكثر بتثبيت موقعه الدولي قبل الداخلي؛ أي إنه يحاول الحفاظ على توازن القوى داخل سوريا كي لا يُصبح ضحية للمنافسات الإقليمية بين تركيا، والكيان الاسرائيلي، والأطراف العربية.
وعليه، يمكن القول إن الجولاني يسعى أولاً إلى ترسيخ قدرته على الصعيد الدولي، ثم على الصعيد الداخلي. وهذه المقاربة من الرئيس السوري المؤقت تشير إلى أنه لن يدخل في مواجهة جدية مع الصهاينة، وقد باتت ملامح ذلك واضحة بالفعل.
لكن رد فعل العشائر والشعب السوري يختلف عن نهج الجولاني، وهذا ما قد يزيد من احتمالات عدم الاستقرار في سوريا ويدفع البلاد نحو ديناميكيات جديدة. حتى الآن تم إعلان وقف إطلاق النار مرتين، وفي المرتين تم خرقهما. ويبدو أن التطورات في جنوب سوريا لن تكون قصيرة الأمد. وقد تخمد نيرانها على المدى القريب، لكن المنطقة ستبقى حبلى بالتطورات. فمن جهة، دخول طرف خارجي كـالكيان الصهيوني إلى المنطقة سيؤدي إلى رسم خطوط تماس وصراعات جديدة. ومن جهة أخرى، ونظراً لأن هذه الاشتباكات خلفت قرابة 1200 قتيل، فإنها في عرف العشائر السورية وثقافة العرب في المنطقة تمثل مقدمة لتطورات مقبلة. ومع ذلك، فإن المؤكد أن الكيان الصهيوني، بتدخله العسكري في سوريا، قد زجّ بنفسه في مأزق حقيقي، وإذا لم تسر الأمور نحو تحقيق أهداف هذا الكيان، فقد تتفاقم معضلاته الأمنية.
0 Comments