المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ حوار: قال محلل بارز في الشؤون الأوروبية إن دعم ألمانيا للكيان الإسرائيلي في حرب الأيام الـ12 ضد إيران ينبع من التزام تاريخي لهذا البلد تجاه هذا الكيان. فقد أعلن المستشار الألماني، فريدريش مرتس، عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، تأييده الكامل لهجمات الكيان الإسرائيلي على إيران في يونيو/حزيران 2025، واصفاً إياها بأنها "عمل قذر لصالح الجميع"، واعتبرها جزءاً من حق الكيان الإسرائيلي المشروع في الدفاع عن النفس. وينبع هذا الموقف من التزام ألمانيا التاريخي بأمن الكيان الإسرائيلي (Staatsräson)، الذي تعزّز منذ المحرقة (الهولوكوست) وخطاب أنجيلا ميركل في الكنيست عام 2008. في قمة مجموعة السبع ومؤتمر في برلين، أشار مرتس إلى المنشآت النووية تحت الأرض في إيران، واصفاً الهجمات عليها بأنها ضرورية لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي. كما كرر وزير الخارجية الألماني، يوهان وادفول، دعمه لـ "حق الكيان الإسرائيلي في الدفاع عن نفسه". هذا الموقف أثار انتقادات داخلية وخارجية واسعة. ويعكس الدعم غير المشروط لألمانيا، المتناغم مع المصالح الجيوسياسية للغرب في مواجهة إيران، تحولاً نحو سياسة خارجية ألمانية أكثر هجومية، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة داخل وخارج ألمانيا.
الجذور التاريخية والالتزام تجاه الكيان الإسرائيلي
قال علي بيكدلي، في حوار مع الموقع الالكتروني للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية: “ألمانيا بسبب ماضيها المظلم في الحقبة النازية والمحرقة، ترى نفسها ملزمة بدعم وجود الكيان الإسرائيلي”. وقد رسّخ هذا الالتزام، المعروف منذ عهد أنجيلا ميركل بأنه “سبب وجود الدولة” (Staatsräson)، موقعاً خاصاً له في السياسة الخارجية الألمانية. وبيّن أن موقف ألمانيا هذا ظهر أيضاً في الحرب العالمية الأولى، حين دعمت ألمانيا الإمبراطورية العثمانية، ثم تكرر في الحرب العالمية الثانية عبر السياسات العدوانية للنازية التي جعلت ألمانيا في مواجهة أغلب دول العالم.
ويضيف بيكدلي أن هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وفرض معاهدة فرساي عليها عززا الشعور بالإذلال القومي في البلاد، مما أدى إلى ظهور النازية. ويرى: “أن هذا النمط تكرر في دعم ألمانيا غير المشروط للكيان الإسرائيلي في حرب الأيام الـ12، حيث دعمت هجمات الكيان الإسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية دون أي اعتبار لانتهاكات هذا الكيان للقوانين الدولية”. ويعتقد بيكدلي أن هذا القرار جاء تحت ضغط الولايات المتحدة ومن منطلق التزامات تاريخية، لكنه يحمل تبعات معقدة لمكانة ألمانيا عالمياً.
الحرب العالمية الثانية والدروس التي تم تجاهلها
يرى هذا الأستاذ الجامعي أن الحرب العالمية الثانية تمثل ذروة قرارات ألمانيا الخاطئة، موضحاً في هذا السياق: “أن ألمانيا النازية أشعلت حرباً، بهدف الهيمنة على أوروبا والعالم، أدّت في النهاية إلى دمار ألمانيا نفسها. فقد تحالفت ألمانيا مع إيطاليا واليابان، رغم ضعفهما عسكرياً واقتصادياً، وهاجمت بولندا عام 1939، لتجد نفسها في مواجهة الحلفاء”. وتابع يقول: “هذه القرارات جاءت نتيجة طموحات مفرطة وتجاهل للوقائع الجيوسياسية.”
وأشار إلى أن نتائج الحرب العالمية الثانية كانت كارثية على ألمانيا. فقد قُسّمت إلى شرقية وغربية، وانهار اقتصادها، وخضعت لاحتلال الحلفاء. ويرى المحلل البارز في الشؤون الأوروبية إن دروس هذا الفشل في دعم ألمانيا للكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة في حرب الأيام الـ12 قد تم تجاهلها. ويضيف: “دعم ألمانيا لهجمات الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة دون اعتبار للتبعات القانونية والإنسانية، يعبّر عن تكرار نفس نمط اتخاذ القرارات الخاطئة.”
حرب الأيام الـ12 ودعم ألمانيا المثير للجدل للكيان الإسرائيلي
وتابع بيكدلي مصرحاً: “أن موقف ألمانيا من حرب الأيام الـ12 لم يكن فقط دعماً لخرق ميثاق الأمم المتحدة من قبل الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة، بل جعلها أيضاً عرضة لانتقادات واسعة.”
ويرى أن موقف ألمانيا الداعم جاء نتيجة لضغوط الولايات المتحدة والقلق من البرنامج النووي الإيراني. وأضاف بيكدلي: “أن ألمانيا، إلى جانب فرنسا وبريطانيا (مجموعة الترويكا الأوروبية)، كانت طرفاً في مفاوضات الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، لكنها فشلت في الحفاظ على الاتفاق بعد انسحاب الولايات المتحدة منه عام 2018.” وفي حرب الأيام الـ12، بدلاً من لعب دور الوسيط، دعمت ألمانيا الكيان الإسرائيلي، حتى أنها بعد هجمات الولايات المتحدة على المنشآت الإيرانية، دعت إيران للتفاوض مع الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة.” ويصف الخبير هذا النهج بأنه “يتنافى مع المبادئ الدبلوماسية”. كما يرى أن تبعات حرب أوكرانيا ساهمت في توسيع الفجوة بين إيران وأوروبا، خاصة ألمانيا، مما دفع برلين إلى تبني سياسة عدائية تجاه إيران خلال هجمات الكيان الإسرائيلي ودعم الطرف المعتدي.
التداعيات الاستراتيجية ومستقبل ألمانيا
يعتبر بيكدلي أن تبعات دعم ألمانيا للكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة في حرب الأيام الـ12، ذات أبعاد متعددة. ويقول: “هذا الموقف أضرّ بعلاقات ألمانيا مع إيران، وأضعف مكانتها كطرف نزيه ومحايد في النظام الدولي.” ويشير المحلل البارز في الشؤون الأوروبية إلى أن مقتل مئات المدنيين الإيرانيين في هجمات الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة، التي أيدتها ألمانيا، أثار استنكاراً دولياً. محذراً: “أن ألمانيا بقرارها هذا، خاطرت نحو العزلة الدبلوماسية.”
ويرى أن على ألمانيا أن تستفيد من دروس ماضيها، “فهزائمها في الحربين العالميتين أثبتت أن دعم السياسات العدوانية دون احترام القانون الدولي يؤدي إلى العزلة والخسائر”. واقترح أن تعود ألمانيا إلى تبني الدبلوماسية متعددة الأطراف وتقوية المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، للحفاظ على مكانتها. مضيفاً: “يجب على ألمانيا الحديثة ، التي أصبحت قوة اقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية ، تجنب تكرار أخطاء الماضي ولعب دور ناشط عادل ونزيه.”
وفي الختام أكد بيكدلي أن مستقبل ألمانيا يعتمد على قدرتها في التوازن بين التزاماتها التاريخية ومبادئ القانون الدولي. قائلاً: “إن الدعم الأعمى للكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة في حرب الأيام الـ12، وضع ألمانيا في الجانب الخطأ من التاريخ. ولتصحيح هذا الخطأ، ينبغي على ألمانيا الإلتزام بالدبلوماسية وتجنب تأجيج التوتر في منطقة غرب آسيا”.
0 Comments