جدیدترین مطالب
أحدث المقالات
أهداف احمد الشرع من زيارته إلى روسيا

في حواره مع الموقع الالكتروني للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية حول الزيارة الأخيرة لأحمد الشرع إلى موسكو، أوضح علي رضا مجيدي قائلاً: “لا ينبغي اعتبار هذه الزيارة بدايةً أو إحياءً للعلاقات بين البلدين، إذ إنّ العلاقات بين دمشق وموسكو لم تُقطع تماماً في أيّ وقت”. وأضاف: “تعود نقطة التحوّل في علاقات الجانبين إلى أواخر يوليو/تموز، أي قبل نحو ثلاثة أشهر، حين زار أسعد الشيباني، وزير خارجية الحكومة السورية الحالية، موسكو لأول مرة منذ الأحداث الداخلية في البلاد، وأطلق مفاوضات جديّة هناك”.
وبيّن هذا الخبير قائلاً: “بعد سقوط بشار الأسد، تشكّلت تفاهمات بين موسكو والحكومة الجديدة في دمشق كان لروسيا فيها دور إيجابي. إذ لم تمنع موسكو تقدّم قوات هيئة تحرير الشام، بل سهّلت لها السيطرة على دمشق”. وأضاف: “بعد مفاوضاتٍ دامت خمسة أيام بين ممثّلي موسكو وتحرير الشام بوساطة أنقرة، تمّ التمهيد لتشكيل نظام حكمٍ جديد في دمشق”.
وأشار مجيدي إلى أنّ “تلك المفاوضات أفضت إلى ثلاثة تعهّدات رئيسية من جانب دمشق لموسكو: استمرار الوجود العسكري الروسي في قواعده الأساسية، وضمان الوصول إلى البحر المتوسط، والحفاظ على شرعية العقود السابقة مع حكومة الأسد”. وأضاف: “في المقابل، تعهّدت روسيا بأن تلعب دوراً داعماً في أزمة الوقود السورية، وهي الأزمة التي بدأت في فبراير/شباط 2025 عندما منعت الولايات المتحدة والسعودية إرسال شحنات النفط إلى سوريا. وفي مارس/آذار من العام نفسه، أرسلت موسكو أكبر شحنة وقود إلى الحكومة الجديدة، ما شكّل نقطة تحوّل في علاقات البلدين”.
وأكد: “في عهد الأسد، كانت إيران المورّد الرئيسي للطاقة في سوريا، لكن مع تغيّر بنية السلطة، دخلت السعودية ثم روسيا إلى المشهد. وإرسال موسكو لشحنة الوقود كان إشارة إلى إعادة تعريف مكانة روسيا في النظام السوري الجديد”.
تحوّل المسار السياسي لدمشق وحسابات موسكو
قال مجيدي: “في أواخر مايو/أيار 2025، ومع تعيين دان باراك مسؤولاً جديداً عن الملف السوري في البيت الأبيض، ازدادت ميول أحمد الشرع نحو الغرب، ما أثار قلق موسكو وأدّى إلى نشوب خلافات جديدة”.
وأضاف: “أحداث السويداء والاحتجاجات في المناطق الجنوبية السورية أضعفت موقع أحمد الشرع. وكان يخشى أنه بعد هدوء احتجاجات الدروز، قد يأتي دور العلويين للتمرد بدعمٍ روسي، وهو ما دفعه إلى استئناف التفاوض مع موسكو في 30 يوليو/تموز 2025”.
وبحسب مجيدي، “في ذلك اللقاء، اتهمت موسكو دمشق بالخيانة، مدعيةً أنّ سوريا انتهكت تعهّدها بمنح روسيا حق الوصول إلى البحر المتوسط. ووضعت موسكو أربعة شروط مسبقة لاستئناف المفاوضات، ومنحت دمشق مهلة 45 يوماً لتنفيذها”.
وأضاف: “خلال تلك الفترة، ازدادت الضغوط الإسرائيلية على دمشق، وضعُف موقع باراك في واشنطن. في هذا الوضع، توصّل أحمد الشرع إلى قناعة بأن قبول شروط موسكو يمكن أن يكون وسيلة لتخفيف الضغوط المتعددة عليه”.
وتابع: “في سبتمبر/أيلول، أعلنت دمشق رسمياً لموسكو موافقتها على الشروط الأربعة. بل إنّ أحمد الشرع، في مفاوضاته مع الكيان الصهيوني، اقترح نشر قوات روسية لحفظ السلام في جنوب سوريا، في خطوةٍ أظهرت سعي دمشق لمنح موسكو دوراً رسمياً في الترتيبات الأمنية الداخلية”.
وأردف مجيدي: “عقب هذا التطوّر، أرسلت موسكو وفداً برئاسة ألكسندر نوفاك، مستشار بوتين، إلى دمشق للتأكّد من تنفيذ التعهدات السورية. وقد شكّل ذلك الوفد بداية مرحلة جديدة من التعاون، وجاءت زيارة أحمد الشرع إلى موسكو استكمالاً لتلك العملية”.
وأضاف: “لذلك، فإن زيارة أحمد الشرع الأخيرة إلى روسيا ليست حدثاً مفاجئاً، بل حلقة من سلسلة علاقات بدأت منذ الصيف وارتقت الآن إلى مستوى سياسي رسمي”.
وأوضح هذا الخبير قائلاً: “استخدام مصطلح الشراكة الاستراتيجية لوصف العلاقات الجديدة بين دمشق وموسكو مبالغ فيه، فالعلاقة بين الجانبين تقتصر على تعاونٍ محدود في مجالاتٍ محددة، وليست تحالفاً هيكلياً أو معاهدة دائمة”.
وأضاف: “سعى أحمد الشرع من خلال التقارب مع روسيا إلى تحقيق هدفين: أولاً، الحيلولة دون إثارة العلويين واحتمال تمرّدهم بدعم روسي، وثانياً، استخدام العلاقة مع موسكو كورقة ضغط على الغرب”.
وأشار مجيدي قائلاً: “كان أحمد الشرع يدرك أنّ روسيا لا تحمل مودة شخصية تجاه بشار الأسد أو تجاهه هو نفسه، بل تسعى إلى ضمان مصالحها من خلال الوصول إلى البحر المتوسط والحفاظ على نفوذها في الموانئ السورية. فقاعدتها في اللاذقية تمثل ضمانة استراتيجية لبقائها في خط المتوسط”.
وتابع: “سعت دمشق، في الوقت نفسه، إلى تحقيق توازن بين القوى الخارجية عبر منح امتيازات لفرنسا والإمارات. حتى إنّ حكومة أحمد الشرع عرضت على باريس السيطرة على جزء من الساحل اللاذقي مقابل اعترافها بالحكومة السورية الجديدة. ومن وجهة نظر دمشق، لم يتعارض ذلك مع التزاماتها تجاه روسيا، إذ إنّ الساحل طويل ويمكن تقسيم مناطق النفوذ فيه”.
وأضاف: “لكن توقيع عقدٍ مع شركة موانئ دبي لتطوير ميناء طرطوس في يونيو/حزيران 2025 أثار غضب موسكو، التي تعتبر تلك المنطقة خطاً أحمر ضمن مجال نفوذها الحصري، واعتبرت الخطوة تجاوزاً لتلك الحدود. وسعى أحمد الشرع إلى تهدئة موسكو بالتأكيد على أنّ حصة روسيا المضمونة في اللاذقية وطرطوس ستبقى محفوظة ولن يمسّها أحد”.
وتابع مجيدي بالقول: “هذا التأكيد لم يكن جديداً، بل تكرار لأحد الشروط الأربعة التي وضعتها روسيا منذ بداية المفاوضات”.
وأضاف في ختام الحوار: “إنّ أحمد الشرع لا يسعى إلى تطوير علاقة شاملة مع روسيا، بل يستخدمها أداةً للضغط على الغرب. زيارة نوفاك إلى دمشق وردّ واشنطن السريع بإيفاد ثلاثة مسؤولين عسكريين وأمنيين رفيعي المستوى أظهرا أن الولايات المتحدة تلقّت الرسالة، وأنّ تقارب الشرع مع روسيا ليس استراتيجياً بل تكتيكياً”.
وأكد أن “العلاقات الراهنة بين روسيا وسوريا بعد سقوط الأسد ليست استعادةً للتحالف السابق ولا بدايةَ شراكةٍ جديدة، بل هي مسعى متبادل للحفاظ على المصالح المشتركة وسط تنافسٍ محتدم بين القوى الإقليمية والدولية”.
0 Comments