المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: في الوقت الذي يتجه فيه النظام الاقتصادي العالمي نحو التعددية القطبية، تحولت أوراسيا إلى مركز جديد للتجارة والطاقة والابتكارات المالية؛ حيث يعيد تكامل ممر الشمال - الجنوب ومبادرة الحزام والطريق، بمحورية إيران وبمشاركة روسيا والهند، رسم الخريطة الجيواقتصادية للقرن الحادي والعشرين.
مهدي سيف تبريزي ـ خبير في الشؤون الأوراسية
في العقد الذي يشهد فيه العالم تحولات جوهرية في الأنماط الجيواقتصادية، برزت أوراسيا بوصفها مركز ثقل جديداً للتجارة والطاقة والابتكارات المالية. وتُعد مبادرة الحزام والطريق الصينية (BRI)، وممر النقل الدولي الشمال ـ الجنوب (INSTC)، مشروعين محوريين لا يعيدان تعريف المسارات التجارية فحسب، بل يمثلان أيضاً رمزاً لظهور نظام اقتصادي متعدد الأقطاب. وفي هذا السياق، تؤدي العلاقات بين طهران وموسكو، باعتبارها أحد الأعمدة الرئيسية لهذه التحولات، دوراً استراتيجياً، ومع مشاركة الهند تشكّل مثلثاً قوياً للتعاون الإقليمي المستدام.
التكامل بدلاً من التنافس
غالباً ما يُنظر إلى ممر الشمال ـ الجنوب ومبادرة الحزام والطريق الصينية على أنهما مساران متنافسان، غير أن المعطيات الأخيرة تشير إلى قدرة عالية على التكامل بين هذين المسارين التجاريين العالميين. يمتد ممر الشمال ـ الجنوب على طول يقارب 7200 كيلومتر، وهو مسار متعدد الوسائط يشمل النقل البحري والسكك الحديدية والطرق البرية، ويربط مومباي في الهند بسانت بطرسبورغ في روسيا، ويمر عبر إيران بوصفها الجسر الأهم بين شمال العالم وجنوبه. ويُقلّص هذا الممر زمن النقل بنسبة تصل إلى 40 في المئة، والتكاليف بنحو 30 في المئة مقارنة بالمسارات البحرية التقليدية مثل قناة السويس، وهو ما يمنحه أهمية مضاعفة في ظل الاضطرابات الجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة.
وقد شهد ممر الشمال – الجنوب خلال الفترة الأخيرة تطورات ملحوظة في مجالات متعددة. ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، اتفقت إيران وروسيا على تسريع هذا الممر الاستراتيجي، بما يشمل استكمال البنى التحتية الأساسية، مثل سكة حديد رشت ـ آستارا. وكان قد جرى توقيع العقد التنفيذي لإنشاء خط سكك حديدية بطول 162 كيلومتراً في يوليو/تموز 2023، كما انضمت باكستان رسمياً إلى ممر الشمال ـ الجنوب بحلول نهاية عام 2025، وانطلق أول قطار شحن من كراتشي إلى زاهدان. ومع ذلك، لا تزال تحديات من قبيل العوائق البنيوية في آسيا الوسطى قائمة، ويجري العمل على معالجتها من خلال جهود مشتركة. ولا يقتصر دور هذا الممر على تسهيل التجارة فحسب، بل يسهم أيضاً، عبر ربط الاقتصادات الصاعدة، في خلق فرص عمل مستدامة لدول المنطقة وتعزيز رفاه المجتمعات المحلية.
في المقابل، ربطت مبادرة الحزام والطريق الصينية، عبر استثمارات ضخمة، أكثر من 150 دولة، وحققت في النصف الأول من عام 2025 رقماً قياسياً بلغ 66.2 مليار دولار في عقود الإنشاء، و57.1 مليار دولار في الاستثمارات. وبلغ حجم هذه المبادرة في عام 2024، بعد نمو بنسبة 27 في المئة، نحو 122 مليار دولار. وتركّز المبادرة على المحور الشرقي ـ الغربي للعالم، وتشمل مشاريع مثل سكة حديد الصين ـ قرغيزستان ـ أوزبكستان. ويخلق التداخل بين ممر الشمال ـ الجنوب ومبادرة الحزام والطريق في مناطق مثل آسيا الوسطى فرصاً تكاملية واسعة في مجالات متعددة؛ فعلى سبيل المثال، يمكن لميناء تشابهار الإيراني ضمن ممر الشمال ـ الجنوب أن يرتبط بميناء غوادر الباكستاني في إطار مبادرة الحزام والطريق، بما يشكّل شبكة فعالة للتجارة الأوراسية.
ومن أبرز مظاهر هذا التكامل العلاقات بين طهران وموسكو، التي يمكن النظر إليها نموذجاً للتعاون القائم على المصالح المشتركة. فالاستثمار المشترك في ممر الشمال ـ الجنوب لا يقلل فقط من الاعتماد على المسارات البحرية عالية المخاطر، بل يعزز أيضاً نموذجاً تنموياً شاملاً يركّز على المصالح المتبادلة. ومن شأن استكمال هذا الممر بحلول عامي 2026 أو 2027 أن يرفع حجم التجارة إلى أكثر من 30 مليون طن سنوياً، وأن يرسّخ موقع إيران بوصفها جسراً محورياً بين الجنوب والشمال.
مثلث قوي يركّز على حجم التبادل
بلغ التعاون في مجالي الطاقة والبنية التحتية بين إيران وروسيا والهند، على الرغم من العقوبات الغربية، مستوى غير مسبوق من حيث حجم التبادلات. وقد وفّر توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين طهران وموسكو في يناير/كانون الثاني 2025، ودخولها حيّز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، إطاراً للتعاون طويل الأمد. وبلغ حجم التبادل التجاري بين إيران وروسيا خلال عامي 2024 و 2025 نحو 5 مليارات دولار، فيما تشير الإحصاءات إلى ارتفاع الصادرات غير النفطية الإيرانية إلى روسيا إلى 2.1 مليار دولار بنهاية الفترة نفسها، مع تسجيل نمو بنسبة 35 في المئة خلال فصلي الربيع والصيف. كما بلغ حجم التجارة غير الهيدروكربونية في النصف الأول من عام 2025 نحو 87.2 مليون طن، شمل تبادل الغاز والنفط والتوربينات وغيرها من السلع. ويعود هذا النمو إلى تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EAEU)، التي أسهمت في خفض تكاليف الخدمات اللوجستية وتوسيع الوصول إلى الأسواق.
وتؤدي الهند بدورها دوراً محورياً في هذا المثلث. فقد بلغ حجم التجارة بين روسيا والهند في السنة المالية 2024 – 2025 رقماً قياسياً قدره 68.7 مليار دولار، أي ما يعادل سبعة أضعاف ما كان عليه قبل خمس سنوات، وهو ما يجعل بلوغ هدف 100 مليار دولار بحلول عام 2030، الذي جرى التأكيد عليه خلال لقاء بوتين ومودي في نيودلهي، هدفاً واقعياً. وقد وفّرت واردات الهند من النفط الروسي، رغم الرسوم الجمركية والعقوبات الأمريكية، على نيودلهي مبلغ 7 مليارات دولار، وبلغ حجم الواردات النفطية الشهرية في يونيو/حزيران 2025 نحو 4.7 مليارات دولار.
كما شهد التبادل التجاري بين إيران والهند نمواً متواصلاً، إذ ارتفعت الصادرات غير النفطية الإيرانية إلى الهند حتى منتصف عام 2025 إلى 1.8 مليار دولار، وسجلت الهند فائضاً تجارياً بقيمة 760 مليون دولار خلال السنة المالية 2024-2025 . وبلغ إجمالي التبادل التجاري بين طهران ونيودلهي نحو ملياري دولار بحلول أواخر عام 2025، مع تركيزه على سلع مثل المنتجات الزراعية والتكنولوجيا.
وقد أسهمت البنى التحتية لممر الشمال – الجنوب، بدعم من قرض روسي بقيمة 1.6 مليار دولار، واستثمارات هندية في ميناء تشابهار، في توفير قدرة لرفع حجم التجارة إلى 30 مليون طن. ويمكن للتعاون الثلاثي بين طهران وموسكو ونيودلهي أن يشمل أبعاداً إنسانية أيضاً، مثل الحد من تقلبات الأسعار، وخلق فرص العمل، وحماية المجتمعات من الأزمات العالمية. وأدت العقوبات الغربية إلى ابتكارات مثل المقايضة واستخدام العملات الوطنية، ما حوّل هذا المثلث إلى نموذج للشراكة العادلة.
رقمنة التجارة
تُعيد رقمنة التجارة الإقليمية، مع التركيز على الأنظمة البديلة لسويفت، القوة إلى المجتمعات وتؤسس لهياكل مستقلة وفعالة. فبعد خروج إيران من نظام سويفت عام 2018، انضمت إلى نظام تحويل الرسائل المالية الروسي (SPFS)، ونظام الدفع بين البنوك الصيني (CIPS)، ما سهّل المعاملات العابرة للحدود لأكثر من 700 مصرف. ويجري في نظام الدفع بين البنوك الصيني سنوياً معالجة أكثر من 12 تريليون دولار، ويوفر مزايا مثل مستوى أعلى من الأمان، وسرعة أكبر، وتكاليف أقل، رغم أنه لا يزال أصغر من سويفت من حيث التنافسية.
وتتجه روسيا والهند وإيران، في إطار مجموعة بريكس، نحو إطلاق نظام الدفع بريكس (BRICS Pay)، وهو نظام لامركزي قائم على تقنية سلسلة الكتل (Blockchain) يهدف إلى تقليل الاعتماد على الدولار ونظام سويفت. وقد شددت إيران، بوصفها عضواً جديداً في بريكس منذ عام 2024، إلى جانب روسيا والهند كعضوين مؤسسين، خلال قمة عام 2025، على ضرورة إنشاء هذا النظام. وتشمل مزايا نظام الدفع بريكس تسهيل المعاملات، وتقليص مخاطر العقوبات، وتوسيع التجارة بالعملات المحلية، وتعزيز مسار تقليص الاعتماد على الدولار في تسوية المدفوعات، بما قد يخفض التكاليف بنسبة تصل إلى 30 في المئة. كما أدى تنفيذ المعاهدة التجارية بين طهران وموسكو في أكتوبر/تشرين الأول إلى مضاعفة التسويات بالروبل ـ الريال وتعزيز التبادل التجاري. وتستفيد الهند أيضاً من هذا النظام، مع تركيزها على الروبية في واردات الطاقة.
وقد حوّلت هذه التطورات العقوبات إلى فرصة للابتكار، وأسهمت في توسيع التجارة بين الدول الثلاث. ومع تنامي قطاع التكنولوجيا المالية في المناطق الحرة، تمتلك إيران القدرة على التحول إلى جسر رقمي لآسيا الوسطى، بما يوفر استقراراً اقتصادياً وإتاحة متكافئة لفرص الأعمال أمام الشركات الصغيرة.
المحصلة
تقدّم الجغرافيا الاقتصادية الجديدة لأوراسيا صورة واضحة عن التكامل والقدرة على الصمود والابتكار. فقد فتح ممر الشمال ـ الجنوب ومبادرة الحزام والطريق، بما يتضمنانه من تفاصيل فنية وتطورات حديثة، مسارات جديدة للتجارة الإقليمية والعالمية. ويعكس حجم التبادل بين إيران وروسيا ومحور موسكو ـ نيودلهي الإمكانات الكبيرة لهذا التقارب في أوراسيا. كما ترسم الأنظمة البديلة، مثل نظام تحويل الرسائل المالية الروسي، ونظام الدفع بين البنوك الصيني، ونظام الدفع بريكس، مستقبلاً أكثر استقلالية لاقتصادات المنطقة عبر خفض التكاليف وتقليص الاعتماد على الخارج.
0 Comments