جدیدترین مطالب
قراءة تحليلية في اعتراف الكيان الصهيوني بالإبادة الجماعية للأرمن
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: في الوقت الذي تشهد فيه منطقة غرب آسيا، ولا سيما خلال الأشهر الأخيرة، أكثر التحولات السياسية والأمنية تعقيداً خلال نصف القرن الماضي، يثير القرار المفاجئ لحكومة الكيان الصهيوني الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن على يد تركيا، والذي قوبل بإدانة ومعارضة شديدتين من أنقرة وباكو، العديد من علامات الاستفهام.
أحدث المقالات
قراءة تحليلية في اعتراف الكيان الصهيوني بالإبادة الجماعية للأرمن
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: في الوقت الذي تشهد فيه منطقة غرب آسيا، ولا سيما خلال الأشهر الأخيرة، أكثر التحولات السياسية والأمنية تعقيداً خلال نصف القرن الماضي، يثير القرار المفاجئ لحكومة الكيان الصهيوني الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن على يد تركيا، والذي قوبل بإدانة ومعارضة شديدتين من أنقرة وباكو، العديد من علامات الاستفهام.
قراءة في محاولة فرنسا أداء دور في سوريا خلال المرحلة الانتقالية

حميد خوش آيند ـ خبير في الشؤون الإقليمية
تُعدّ الزيارة المفاجئة لماكرون إلى دمشق أول زيارة يقوم بها أعلى مسؤول فرنسي إلى سوريا منذ ثمانية عشر عاماً، كما أنها أول زيارة لزعيم غربي منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. وبينما يتحدث ماكرون عن “دعم سوريا موحَّدة”، فإن الواقع الميداني في هذا البلد، في ظل استمرار انعدام الأمن والاحتلال والقيادة المثيرة للجدل، لا يزال بعيداً عن هذه الشعارات المثالية.
وفي العمق، يتمثل الهدف الرئيسي لهذه الزيارة في سعي باريس إلى الخروج من حالة العزلة واستعادة موقعها الاستراتيجي الذي فقدته في منطقة غرب آسيا. ففرنسا، التي ورثت نفوذاً تاريخياً في سوريا ولبنان منذ اتفاقية سايكس – بيكو، أصبحت اليوم مهمَّشة في الملفات الإقليمية الكبرى، مثل لبنان وفلسطين والخليج الفارسي، ويسعى الرئيس الفرنسي من خلال هذه الزيارة إلى إحياء دور بلاده في المعادلات الإقليمية الجديدة.
وسعى ماكرون عبر هذه الزيارة إلى الظهور بوصفه فاعلاً مستقلاً في منطقة غرب آسيا. ويعكس الاتفاق على تبادل السفراء بعد انقطاع دام أربعة عشر عاماً، إلى جانب توقيع حزمة متنوعة من الاتفاقيات الاقتصادية والأمنية والبنى التحتية، عزم باريس على أداء دور محوري في مستقبل سوريا. ومن خلال هذه المبادرة، تحاول فرنسا، إلى جانب تعزيز موقعها في مواجهة منافسين مثل تركيا وروسيا، أن تؤدي دوراً أكثر تأثيراً في هندسة البنية الأمنية الجديدة للمنطقة.
التنافس الجيوسياسي الفرنسي للعودة إلى سوريا
جاءت زيارة ماكرون إلى دمشق برفقة كبرى الشركات الفرنسية، مثل “توتال” و”سي إم إيه سي جي إم”، في مؤشر واضح على سعي باريس إلى الاستفادة اقتصادياً من مشاريع إعادة إعمار سوريا. ومع تقدير تكلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، أبرمت الشركات الفرنسية عقوداً في مجالات الموانئ والطاقة والقطاع المصرفي. كما وعد ماكرون بإعادة الأموال السورية المجمَّدة، في خطوة تهدف إلى ترسيخ النفوذ الاقتصادي الفرنسي.
إلا أن تنفيذ هذه الاتفاقيات يواجه عقبات جدية؛ فما تزال العقوبات الدولية قائمة، كما أن الانفلات الأمني الواسع، الذي تجلّى بوضوح في التفجيرات المتزامنة مع زيارة ماكرون، رفع مستوى مخاطر الاستثمار إلى حد كبير، وألقى بظلال من الشك على مستقبل هذا التعاون الاقتصادي.
وقد كشفت التفجيرات التي وقعت بالتزامن مع زيارة ماكرون بالقرب من فندق «فور سيزونز»، حيث كان يقيم، عن هشاشة الوضع الأمني في سوريا. وحملت هذه التفجيرات رسالة واضحة مفادها: أن الحكام الجدد في سوريا لا يزالون عاجزين عن توفير الأمن الكامل.
ومنذ شهر مايو/أيار، شهدت دمشق تسع عمليات تفجير. ويشير تأكيد ماكرون أن “سوريا يجب ألا تنزلق إلى عدم الاستقرار”، إلى جانب مطالبة الرئيس السوري لفرنسا بأداء دور في وقف اعتداءات الكيان الإسرائيلي، إلى أن التعاون الأمني بين باريس ودمشق قد يتحول إلى أحد المحاور الرئيسية في العلاقات بين البلدين.
ومع ذلك، فإن ارتباط القيادة الفرنسية باعتبارات الكيان الإسرائيلي يجعل تحقيق هذا المطلب موضع شك كبير. فعلى الرغم من أن ماكرون أدان خلال الزيارة اعتداءات الكيان الإسرائيلي، فإنه امتنع عن اتخاذ أي خطوة عملية لوقف الاحتلال.
وفي المقابل، جاءت هذه الزيارة قبيل انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، حيث التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأحمد الشرع (الجولاني)، وأشاد به واصفاً إياه بأنه قائد “استثنائي” و”يحظى باحترام كبير”. كما أعلنت الولايات المتحدة خلال القمة أنها ستشطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وتُظهر هذه التطورات أن زيارة ماكرون ارتبطت إلى حد بعيد بمخاوف فرنسا من استبعادها بالكامل من المعادلات السورية.
ولعل أكثر جوانب هذه الزيارة إثارة للجدل هو التغاضي الكامل عن ماضي أحمد الشرع (الجولاني). فالجولاني، الذي يشغل حالياً منصب الرئيس السوري المؤقت، كان في السابق قائداً لـ”هيئة تحرير الشام”، وهي جماعة كانت تُعد أحد فروع تنظيم القاعدة في سوريا، وأدرجتها الولايات المتحدة منذ عام 2013 على الأقل ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية. وقد أسس فرعاً لتنظيم القاعدة في سوريا نفّذ عمليات انتحارية وهجمات مسلحة. ورغم أن الجولاني أعلن انفصاله عن تنظيم القاعدة عام 2016، فإن هذا الانفصال لم يكن يعني بأي حال محو سجله الحافل بأعمال العنف.
ومع ذلك، لم يكتفِ ماكرون بتجاهل هذه السوابق، بل استقبل الجولاني بحرارة، ووصفه بأنه شريك متكافئ في “فصل جديد من العلاقات السورية-الفرنسية”. ويعكس هذا النهج حجم الفجوة بين الادعاءات الغربية المضللة بشأن حقوق الإنسان وبين حساباتها السياسية. ففرنسا، التي لطالما ادعت الدفاع عن حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب، تتعامل اليوم، في إطار مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية، مع شخصية لها سجل سابق في قيادة تيار مسلح متطرف.
ويزداد هذا التناقض وضوحاً إذا ما تذكرنا أن فرنسا دعمت خلال سنوات الحرب الأهلية السورية بعض الجماعات المعارضة لحكومة بشار الأسد، لكنها لم تدخل يوماً في تعامل علني مع الجولاني والجماعة التي كان يقودها على هذا النحو. أما اليوم، وبعدما تبدلت موازين القوى وأصبحت المصالح الاقتصادية والسياسية لباريس تقتضي ذلك، فقد جرى التغاضي عن ماضي هؤلاء الفاعلين.
أزمة اللاجئين تحدٍّ أمام باريس
وفي الوقت نفسه، شكّلت قضية اللاجئين السوريين محوراً مهماً آخر في هذه الزيارة. فماكرون، الذي يواجه على الساحة الداخلية الفرنسية تحديات كبيرة تتمثل في تراجع شعبيته واشتداد المنافسة مع تيارات اليمين، وفي مقدمتها مارين لوبان، يسعى إلى تحقيق مكسب سياسي داخلي من خلال إظهار قدرته على إدارة أزمة اللاجئين والتخطيط لعودتهم الطوعية.
ولا تمثل قضية الهجرة بالنسبة إلى فرنسا مجرد مسألة إنسانية أو أمنية، بل أصبحت أحد أبرز محاور التنافس السياسي الداخلي. ومن هذا المنطلق، يمكن أن يشكل الانفتاح على دمشق أداة بيد باريس لإظهار أنها تؤدي دوراً فاعلاً في إدارة تداعيات الأزمة السورية والحد من الضغوط الناجمة عن وجود اللاجئين.
وفي المحصلة، تبدو هذه الزيارة أقرب إلى محاولة لاحتواء الأزمات الداخلية واستعادة المكانة المتراجعة لباريس، أكثر من كونها مؤشراً على عودة فعلية لفرنسا إلى موقعها الاستراتيجي في منطقة غرب آسيا. فالواقع الميداني في سوريا، المنقسم بين قوى خارجية والمفتقر إلى سيادة موحدة، إلى جانب تراجع النفوذ التقليدي الفرنسي في المنطقة، يشير إلى أن هذه الزيارة تواجه قيوداً كبيرة تحول دون تحولها إلى نقطة انعطاف استراتيجية في العلاقات بين البلدين.
وترغب فرنسا في أن تحجز لنفسها موقعاً في خضم التنافس بين الولايات المتحدة وتركيا وروسيا وسائر الفاعلين الإقليميين، إلا أن قدرتها على التأثير الحاسم في مستقبل سوريا ستظل مرهونة بحجم نفوذها الحقيقي وإمكاناتها الاقتصادية وقوتها السياسية في المعادلات الجديدة. ومن ثم، يمكن تقييم زيارة ماكرون، قبل كل شيء، بوصفها محاولة لمنع إقصاء فرنسا بصورة كاملة من مسار رسم مستقبل سوريا.
0 Comments