المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ حوار: قال محلل بارز في الشؤون الأمريكية: إن التدخل العلني لإيلون ماسك، الملياردير وعملاق الإعلام، في التحولات الداخلية في بريطانيا أعاد مجدداً إلى الواجهة النقاش حول دور الفاعلين من غير الدول في السياسة الدولية. فبكلماته الاستفزازية في تجمع اليمينيين المتطرفين بلندن، لم يكتف ماسك بالدعوة إلى حلّ البرلمان البريطاني وإجراء انتخابات مبكرة، بل زرع عملياً، من خلال طرح خطاب "المقاومة أو الفناء"، بذور العنف السياسي في بيئة اجتماعية هشة داخل البلاد. رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، أدان هذه التصريحات، غير أن القضية تتجاوز مجرد سجال لفظي. فظهور شخصيات مثل ماسك، التي تجمع بين المال والإعلام والشعبية الاجتماعية، أدى إلى تلاشي الحدود الفاصلة بين السياسة الرسمية والحركات الاحتجاجية. هذا المسار يمكن أن يشكل تحدياً خطيراً لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، باعتباره أحد المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة. فالمؤسسات الدولية أُنشئت بالأساس للحد من أفعال الدول، لا المليارديرات الذين يملكون منصات عالمية. غير أن التطورات الجارية تظهر أن عمالقة التكنولوجيا والإعلام قادرون على التأثير في مسار السياسات الوطنية مثلهم مثل اللاعبين المستقلين؛ وهي حقيقة قد تطرح أسئلة جديدة حول السيادة الوطنية والأمن السياسي في النظام الدولي.
قال أميرعلي أبوالفتح في حواره مع الموقع الالكتروني للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية: “لا يمكن اعتبار تصرفات إيلون ماسك مجرد أفعال شخصية إعلامية، بل إنه عملياً يؤدي دور فاعل سياسي عابر للحدود”. ويضيف المحلل البارز في الشؤون الأمريكية: “تعود جذور هذه التحركات إلى ما قبل تجمع مئة ألف من اليمينيين في لندن، حين كان مليارديرات مثل ماسك يؤمنون بأن فوز التيار اليميني بقيادة ترامب في انتخابات 2024 الأمريكية قد يشكل فرصة ذهبية لإحياء حركات مماثلة في أوروبا”. وبحسب قوله: “هؤلاء الأشخاص والجماعات، مستلهمين شعارات اليمينيين الأمريكيين، ينظمون ويضعون خططاً ويحشدون أنصاراً بهدف تحدي الحكومات الليبرالية واليسارية في أوروبا”.
ويؤكد أبوالفتح أن “أمثلة هذا المسار تظهر في دعم ماسك لحزب البديل من أجل ألمانيا، ولحكومتي إيطاليا والمجر اليمينية، وحتى للحركات القومية في أمريكا اللاتينية في البرازيل والأرجنتين”. ويعتقد هذا الخبير في الشؤون الدولية إن “مليارديرات مثل ماسك يعتقدون أن تحولات أوروبا قد تعكس إلى حد ما مسارات الولايات المتحدة، ولهذا يسعون بجدية لتحويل أوروبا إلى ساحة للحركات اليمينية العالمية”.
ويشير أبوالفتح إلى شخصية ماسك الفريدة بين النخب الاقتصادية الأمريكية، قائلاً “أنه خلافاً للأوليغارش التقليديين، يرغب في التواجد مباشرة في قلب القرار السياسي”. وبرأيه، “يمتلك ماسك الثروة والإعلام والشعبية الاجتماعية في آن واحد”، ولذلك يرى أن “مرحلة اكتفاء الأثرياء بالعمل كداعمين خلف الكواليس قد انتهت. اليوم يريدون الظهور كقادة للحركات السياسية بأنفسهم. وهذا الاتجاه بدا جلياً في الولاية الرئاسية الثانية لترامب، حيث شارك ماسك لفترة كمستشار، لكنه بعد الانفصال، سعى إلى تأسيس حزبه الخاص ليتقمص دور القائد المستقل”.
ويقول المحلل البارز في الشؤون الأمريكية: “تدخل ماسك في تحولات أوروبا جزء من استراتيجية أوسع هدفها تعزيز اليمينيين في الولايات المتحدة”. ويوضح أن “الفوز المحتمل لليمينيين في أوروبا قد يضخ دماء جديدة في جسد اليمين الأمريكي ويقوي موقعه في الانتخابات المقبلة، خصوصاً في الكونغرس”. ويشير أبوالفتح إلى أن “اليمينيون يهيمن حالياً على المحكمة العليا الأمريكية، ويسيطرون أيضاً على السلطة التنفيذية، لكنهم ما زالوا يواجهون قيوداً في السلطة التشريعية؛ لذلك يسعون إلى تهيئة ظروف تُسكت أصوات المعارضين وتمهد الطريق نحو شكل من أشكال الحكم السلطوي”.
ويتحدث الخبير في الشأن الأمريكي عن أبعاد دور ماسك العابر للحدود، لافتاً إلى أن “تدخله لم يقتصر على الحرب في أوكرانيا أو غزة إعلامياً وميدانياً، بل سعى من خلال زياراته إلى هذه المناطق إلى رسم صورة سياسية لنفسه”. ويضيف أبوالفتح: “لقد نشأ نمط جديد يتمثل في أن الأثرياء الكبار لم يعودوا يكتفون بالموارد المالية، بل يملكون أيضاً الأدوات الإعلامية والشرعية الاجتماعية اللازمة للتأثير المباشر في السياسة العالمية”.
وبرأي هذا المحلل فإن “ظهور مثل هؤلاء اللاعبين قد يضع النظام الدولي أمام تحديات جديدة. فالمؤسسات القائمة صُممت بالأساس لضبط سلوك الدول، وهي تفتقر عملياً إلى أدوات فعالة لمواجهة تدخل شخصيات غير حكومية مثل ماسك”. ويحذر أبوالفتح من أن “استمرار هذا المسار قد يهدد مبدأ السيادة الوطنية بل وحتى الأمن السياسي للدول، دون أن يكون هناك آلية واضحة لمواجهته”.
وفي الختام، يشدد هذا المحلل على أن “التجربة الأخيرة في بريطانيا تمثل إنذاراً خطيراً للحكومات والمؤسسات الدولية لمراجعة مسألة القوة المتنامية للفاعلين غير الحكوميين في السياسة العالمية. وبرأيه فإن صعود مليارديرات مثل إيلون ماسك كـ “ساسة الظل” قد يكسر الحواجز الفاصلة بين الدولة والحركة الاجتماعية والإمبراطورية الإعلامية، ويرسم أفقاً جديداً للسياسة الدولية في القرن الحادي والعشرين”.
0 Comments