جدیدترین مطالب
تحديات الاتحاد الأوروبي في بلورة سياسة أوروبية موحدة تجاه الصين
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: “إن الشكل الحالي للعلاقات التجارية والاستثمارية بين الاتحاد الأوروبي والصين غير قابل للاستمرار”. هذه العبارة التي وردت في ختام الاجتماع الاستراتيجي الأخير للمفوضية الأوروبية بشأن الصين، ربما تمثل أهم توصيف للتحول الذي تشهده العلاقات بين بروكسل وبكين خلال السنوات الأخيرة.
أحدث المقالات
تحديات الاتحاد الأوروبي في بلورة سياسة أوروبية موحدة تجاه الصين
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: “إن الشكل الحالي للعلاقات التجارية والاستثمارية بين الاتحاد الأوروبي والصين غير قابل للاستمرار”. هذه العبارة التي وردت في ختام الاجتماع الاستراتيجي الأخير للمفوضية الأوروبية بشأن الصين، ربما تمثل أهم توصيف للتحول الذي تشهده العلاقات بين بروكسل وبكين خلال السنوات الأخيرة.
استقلال أوروبا عن الولايات المتحدة؛ من الحلم إلى الواقع

آرمان روشندل ـ خبير في الشؤون الدولية
تحليل الفجوة بين طموح الاستقلال وواقع التبعية
لم يعد الحديث عن “الاستقلال الدفاعي الأوروبي” مجرد شعار باريسي أو بروكسلي؛ بل تحول بالنسبة إلى هذه القارة إلى ضرورة سياسية تتعزز يوماً بعد يوم في ظل الحرب الأوكرانية، وتنافس القوى الكبرى، وتنامي الشكوك حيال التزامات واشنطن.
ومع ذلك، ثمة فجوة جدية بين ما يكتبه القادة الأوروبيون في بياناتهم الاستراتيجية، وما تسمح به الصناعات الدفاعية والميزانيات الوطنية وهياكل صنع القرار؛ فجوة ستحدد مستقبل أمن القارة.
في السنوات الأخيرة، أشارت مراكز أبحاث مثل “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية”، ومعهد “بيترسون”، و”المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية” (SWP) مراراً إلى هذا التناقض: أوروبا تريد أن تكون “قوة جيوسياسية”، لكنها لا تزال تفتقر إلى الأدوات الكلاسيكية للقوة، من سلاسل توريد الأسلحة إلى تماسك منظومات القيادة.
الحديث عن “الاستقلال” سهل، لكن عندما يكون أكثر من نصف القدرات الاستخبارية، والمظلة النووية، وجزء كبير من اللوجستيات الاستراتيجية للقارة مرتبطاً بالولايات المتحدة، فإن الاستقلال يبدو أقرب إلى التمني منه إلى الواقع.
بيانات كبيرة، وصناعة أصغر من المتوقع
يتحدث الاتحاد الأوروبي في وثائقه الرسمية عن “زيادة القدرة الإنتاجية الدفاعية”، و”التكامل الصناعي”، و”تقليص التبعيات الاستراتيجية” كما تتبنى تقارير البرلمان الأوروبي بشأن الصناعة الدفاعية ودعم أوكرانيا في عامي 2026-2027 النبرة نفسها: ينبغي لأوروبا أن تصبح أسرع وأكثر تنسيقاً وأكثر استقلالاً. غير أن المشكلة تكمن في أن البنية الصناعية الأوروبية مجزأة وتنافسية وذات نزعة وطنية. فكل دولة أوروبية كبرى، من فرنسا إلى ألمانيا وإيطاليا، تفضل تعزيز صناعاتها المحلية بدلاً من الاندماج في سلسلة أوروبية موحدة حقاً.
في مثل هذا المناخ، تبدو أفكار من قبيل “مجلس الأمن الأوروبي” التي طُرحت في بعض الأوساط، ومنها معهد الدراسات الأمنية التابع للاتحاد الأوروبي (ISS)، انعكاساً للقلق من قصور الآليات الحالية أكثر من كونها تحولاً مؤسسياً حقيقياً. ولم تتوصل أوروبا بعد إلى إجماع بشأن السؤال الجوهري: هل تريد أن تكون مكمّلة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) أم بديلاً عنه؟ ما لم يكن الجواب واضحاً، ستظل الاستثمارات الدفاعية ذات طابع تفاعلي ومؤقت.
إلى جانب ذلك، تبقى القيود المالية واقعاً لا يمكن إنكاره. فاقتصادات أوروبا تواجه نمواً بطيئاً وضغوطاً اجتماعية وديوناً متراكمة. وقد أظهر تقييم حديث لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي أنه حتى جذب الاستثمارات الخارجية وتقليص التبعيات التكنولوجية يواجهان عقبات هيكلية. فكيف يمكن، في ظل هذه الظروف، تمويل طفرة دفاعية مستدامة؟
ظل الانتخابات الأمريكية
إذا كانت أوروبا تناقش اليوم “نظاماً بلا أمريكا”، فإن السبب الأبرز هو حالة عدم اليقين في واشنطن. إن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عززت المخاوف من أن الالتزامات الأمنية الأمريكية قد تصبح أكثر اشتراطاً أو كلفة أو حتى أكثر محدودية. وتشير تحليلات صادرة عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ونقاشات البرلمان الأوروبي إلى أن كثيراً من العواصم الأوروبية لم تعد تعتبر فرضية “الحضور الأمريكي الدائم وغير المشروط” أمراً مسلّماً به.
غير أن هذه المخاوف، بدلاً من أن تفضي إلى طفرة موحدة، غذّت أحياناً سلوكيات تباعدية. فدول شرق أوروبا ما زالت تعتمد على الارتباط المباشر بواشنطن، ولا ترى في الاستقلال الأوروبي بديلاً موثوقاً عن المظلة الأمنية الأمريكية. في المقابل، تشدد فرنسا أكثر من غيرها على الاستقلالية الاستراتيجية، بينما تتأرجح ألمانيا بين التزاماتها الأطلسية ورغبتها في لعب دور أكثر استقلالاً.
وهكذا تجد أوروبا نفسها في وضع متناقض: فهي من جهة تطالب الولايات المتحدة بالبقاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وضمان أمن القارة، ومن جهة أخرى تتحدث عن “الاستقلال”. وإذا لم تُحل هذه الازدواجية، فإن كل أزمة جديدة ستتحول إلى اختبار لتماسك أوروبا.
أوروبا أكثر استقلالاً؛ نظرة أكثر واقعية إلى إيران؟
بالنسبة إلى إيران، يتمثل السؤال المحوري في أنه إذا اتجهت أوروبا فعلاً نحو قدر أكبر من الاستقلال، فهل ستصبح سياستها تجاه طهران أكثر واقعية؟ لقد أظهرت تجربة السنوات الأخيرة أن جانباً مهماً من سياسة أوروبا تجاه إيران كان تابعاً للتنسيق عبر الأطلسي.
في قضايا مثل العقوبات، والملف النووي، وحتى المسائل الإقليمية، تحركت أوروبا غالباً ضمن الإطار الذي رسمته واشنطن. ومع ذلك، فإن أوروبا أكثر استقلالاً حقاً، إذا ما تبلورت يوماً، قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة ضبط حساباتها.
فمن أجل ضمان أمن الطاقة، وضبط الهجرة، وإدارة الأزمات في محيطها، تحتاج أوروبا إلى تفاعلات إقليمية أكثر تعقيداً. وفي مثل هذا السيناريو، قد يفسح المنظور المعياري البحت تجاه إيران المجال لمقاربة تقوم على موازنة المصالح.
لكن ينبغي التحلي بالواقعية: فحتى لو تحقق الاستقلال الأوروبي، فسيكون تدريجياً ومحدوداً. فالهياكل المؤسسية، والروابط الأمنية، والتداخلات القيمية مع الولايات المتحدة عميقة إلى حد يجعل حدوث انعطاف جذري أمراً مستبعداً. ومن ثم فإن توقع تحول مفاجئ في سياسة أوروبا تجاه إيران يبدو أقرب إلى التفاؤل منه إلى التحليل.
تقف أوروبا اليوم في خضم انتقال ذهني: من قارة كانت “تستورد” أمنها، إلى فاعل ينبغي أن “ينتج” جزءاً من أمنه. غير أن إنتاج الأمن لا يتحقق بمجرد إصدار بيانات أو إنشاء آليات جديدة، بل يتطلب صناعة، وميزانيات، وإرادة سياسية، والأهم من ذلك، إجماعاً استراتيجياً.
وما لم تتشكل هذه العناصر في آن واحد، فإن “نظاماً بلا أمريكا” سيظل أقرب إلى تحذير من هشاشة الوضع القائم منه إلى واقع وشيك. قد تُجبر أوروبا يوماً ما على الوقوف على قدميها، لكن المسافة بين طموح الاستقلال وواقع التبعية لا تزال مسافة حاسمة؛ مسافة سترسم مستقبل أمن القارة وطبيعة تفاعلها مع فاعلين مثل إيران.
0 Comments