جدیدترین مطالب
واقع اتفاق مكة الثلاثي
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ حوار: أثار توقيع اتفاق مكة بين السعودية وباكستان وتركيا تساؤلات بشأن مستقبل الهيكل الأمني في المنطقة ومكانة هذه الدول في معادلات غرب آسيا. فهل يمكن لهذا الاتفاق أن يتحول إلى آلية حقيقية للدفاع الجماعي، أم أنه، أكثر من كونه مصدراً لقدرة عسكرية جديدة، يؤدي وظيفة سياسية وردعية؟
تراجع مخزونات الأسلحة الأمريكية وتداعياته الاستراتيجية
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن استمرار الحرب الأمريكية على إيران، فضلاً عن زيادة التكاليف العملياتية، قد أثار تساؤلات حول القدرة الفعلية للترسانة الأمريكية على الوفاء بالتزاماتها الأمنية في عدة جبهات في الوقت نفسه؛ وهو أمر يؤثر في الردع، والقدرة على الإنتاج الدفاعي، وترتيب أولويات الموارد لدى واشنطن.
أحدث المقالات
واقع اتفاق مكة الثلاثي
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ حوار: أثار توقيع اتفاق مكة بين السعودية وباكستان وتركيا تساؤلات بشأن مستقبل الهيكل الأمني في المنطقة ومكانة هذه الدول في معادلات غرب آسيا. فهل يمكن لهذا الاتفاق أن يتحول إلى آلية حقيقية للدفاع الجماعي، أم أنه، أكثر من كونه مصدراً لقدرة عسكرية جديدة، يؤدي وظيفة سياسية وردعية؟
تراجع مخزونات الأسلحة الأمريكية وتداعياته الاستراتيجية
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن استمرار الحرب الأمريكية على إيران، فضلاً عن زيادة التكاليف العملياتية، قد أثار تساؤلات حول القدرة الفعلية للترسانة الأمريكية على الوفاء بالتزاماتها الأمنية في عدة جبهات في الوقت نفسه؛ وهو أمر يؤثر في الردع، والقدرة على الإنتاج الدفاعي، وترتيب أولويات الموارد لدى واشنطن.
حظر الهجوم على البنى التحتية؛ قاعدة عالمية ومُلزمة

عباس حميدي – خبير في القانون الدولي
التطور التاريخي للحظر؛ من أخلاقيات الحرب إلى قاعدة ملزمة
لقد سار القانون الدولي الإنساني، استجابةً للتجارب المدمرة للحروب الحديثة وخاصة منذ القرن العشرين، في مسارٍ تدريجي لوضع المعايير، وفرض قيوداً على سلوك الدول في النزاعات المسلحة. ومن أهم هذه القيود حظر الهجوم على البنى التحتية المدنية، الذي يستند عليه مبدأ التمييز. وقد تأسس هذا المبدأ في اتفاقيات جنيف، وعلى وجه الخصوص في المادة 48 من البروتوكول الإضافي الأول، التي تلزم أطراف النزاع بالتمييز في جميع الأوقات بين الأهداف العسكرية والمدنية.
وتكميلاً لهذه القاعدة، تنص المادة 52 من نفس البروتوكول صراحةً على أنه لا يجوز أن تكون الأهداف المدنية، بما في ذلك البنى التحتية العامة، عُرضةً للهجوم ما لم تساهم بشكل فعال في العمل العسكري. كما أن المادة 51، من خلال حظر الهجمات العشوائية، تصف أي هجوم يتم دون التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، بأنه غير قانوني.
وقد نشأت هذه القواعد استجابةً لتجارب مثل القصف الواسع للمدن خلال الحرب العالمية الثانية، التي أظهرت أن تدمير البنى التحتية يؤدي فعلياً إلى عقاب جماعي للمدنيين. ولهذا، اتجه المجتمع الدولي نحو تحويل هذه القيود إلى قواعد عرفية ملزمة.
المنطق القانوني والإنساني لحظر الهجوم على البنى التحتية
لا يستند حظر الهجوم على البنى التحتية إلى قاعدة واحدة فحسب، بل تُشكّله مجموعة من المبادئ المكملة. فمبدأ التناسب، الذي تم التأكيد عليه في المادة 51 من البروتوكول الإضافي الأول، يحظر الهجمات التي يُتوقع أن تسفر عن خسائر عرضية في أرواح المدنيين أو إصابات بينهم أو أضرار تلحق بالأهداف المدنية تكون مفرطة بالمقارنة مع الميزة العسكرية المتوقعة.
وبالإضافة إلى ذلك، تحظر المادة 54 من هذا البروتوكول صراحةً الهجوم على الأهداف المدنية التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، مثل منشآت المياه والمواد الغذائية والموارد الزراعية. وتكتسب هذه القاعدة أهمية خاصة، لأن البنى التحتية ترتبط غالباً بشكل غير مباشر ولكن حيوي ببقاء المجتمع المدني.
زد على ذلك، تحمي المادة 56 بشكل خاص المنشآت الحيوية مثل السدود ومحطات الطاقة النووية، وتقيد الهجوم عليها بسبب تداعياتها الإنسانية الكارثية، وفي مجال حماية الخدمات الطبية، تحظر أيضاً أحكام اتفاقيات جنيف والقواعد العرفية ذات الصلة، الهجوم على المستشفيات والمراكز الطبية، وتظهر هذه القواعد مجتمعة، أن القانون الدولي الإنساني سعى إلى إنشاء شبكة معيارية متماسكة لحماية البنى التحتية التي تعتمد عليها حياة المدنيين.
تطبيق القواعد وتحدي العقاب؛ من نورنبرغ إلى المحكمة الجنائية الدولية
وعلى الرغم من وضوح هذه القواعد، فإن تطبيقها واجه تحديات مستمرة. ففي نهاية الحرب العالمية الثانية، اعترفت محاكم نورنبرغ لأول مرة بالمسؤولية الجنائية للأفراد عن انتهاكات قوانين الحرب، ونظرت في الهجمات ضد الأهداف المدنية باعتبارها جرائم حرب.
وفي العقود اللاحقة، تابعت المحاكم الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة، في قضايا مثل حصار ساراييفو ملاحقة الهجمات ضد البنى التحتية المدنية باعتبارها انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني. واستمر هذا التوجه مع إنشاء المحكمة الجنائية الدولية واعتماد نظام روما الأساسي، الذي يصنف في المادة 8 الهجمات المتعمدة ضد الأهداف المدنية ضمن جرائم الحرب.
ومع ذلك، فقد أظهرت التجربة العملية أن هذه الآليات تواجه قيوداً خطيرة. فاعتمادها على تعاون الدول، والاعتبارات الجيوسياسية، والمعايير المزدوجة في تطبيق العدالة، أدى إلى بقاء العديد من حالات الانتهاك دون رد فعال.
من عدم فعالية آليات التطبيق إلى ضرورة اللجوء إلى الذات والردع
تمثل الفجوة بين المعيار والتطبيق أحدى أكثر التحديات جوهرية في القانون الدولي المعاصر. فعندما تفشل الآليات الرسمية في معاقبة المعتدين، تضطر الدول إلى الاعتماد على مفهوم اللجوء إلى الذات. هذا المفهوم، المعترف به في إطار قانون مسؤولية الدول، يتيح اتخاذ التدابير لإجبار الطرف المنتهك على الامتثال لالتزاماته.
في واقع السياسة الدولية، توصلت العديد من الدول إلى استنتاج مفاده أن الاعتماد المجرد على القواعد القانونية، دون إسناد قوي، لا يمكن أن يمنع الهجوم على البنى التحتية. ومن هذا المنطلق، برز الردع كعنصر مكمل ضروري للقانون الدولي. فالردع الفعال يتطلب أن يكون التهديد بالرد حقيقياً وقابلاً للتنفيذ ومكلفاً. فقط في هذه الحالة سيمتنع الطرف المعتدي عن انتهاك القواعد. ورغم أن هذا المنطق قد يبدو في الظاهر بعيداً عن المُثل القانونية، إلا أنه يُعد في الواقع واحدة من الأدوات القليلة الفعالة لحماية البنى التحتية الحيوية.
يُعد حظر الهجوم على البنى التحتية نتاج عملية تاريخية ومعيارية نشأت استجابة للتجارب الكارثية للحروب الحديثة، ويسعى هذا الحظر، في إطار مجموعة من القواعد الصريحة والعرفية، إلى حماية المدنيين وظروف معيشتهم في زمن الحرب.
ومع ذلك، تظهر التجربة أنه بدون وجود آلية تنفيذية فعالة، تظل القواعد عرضة لواقع القوة. وفي ظل هذه الظروف، يبرز الجمع بين القانون الدولي والردع كضرورة استراتيجية. فقط من خلال هذا الجمع يمكن منع تحول البنى التحتية إلى أهداف عسكرية مشروعة، والحفاظ على حد أدنى من الإنسانية في خضم النزاعات.
0 Comments