المجلس الإستراتيجي أونلاين ـ حوار: قال خبير في الشؤون الدولية إن الولايات المتحدة هي الرابح الرئيسي من تخريب خطي نورد ستريم أو توقف نقل الغاز عبرهما، موضحاً: "قطع صادرات الغاز الروسي توفر فرصة أكثر من ذي قبل للولايات المتحدة لزيادة تصدير غازها إلى أوروبا، مع أن الغاز الأمريكي سيكون مكلفاً للغاية بالنسبة لأوروبا. يريد البيت الأبيض أوروبا ضعيفة ومعتمدة كلياً على الولايات المتحدة في جميع المجالات، خاصة في القضايا الحيوية".
في حوار مع موقع المجلس الإستراتيجي للعلاقات الخارجية، أشار سيدرضا ميرطاهر إلى التكهنات حول سبب الانفجار في خطي أنابيب نورد ستريم، قائلاً: “حدوث عدة تسربات غاز من خطي أنابيب غاز “نورد ستريم”، التي تنقل الغاز الروسي إلى الدول الأوروبية، وخاصة ألمانيا، عبر بحر “البلطيق” تسبب في مخاوف جدية في روسيا وأوروبا”.
وتابع: “على الرغم من توقف نقل الغاز عبر هذه الأنابيب، خاصة “نورد ستريم 1″، لأسباب مختلفة كان هناك حوالي 800 مليون متر مكعب من الغاز في هذه الأنابيب في وقت حدوث هذه التسربات، و يشكل التسرب العديد من المخاطر، بما فيها أضرار لا يمكن التعويض عنها ستؤثر حتماً على دول البلطيق. أثارت هذه القضية قلقاً كبيراً لدى لدول الأوروبية وطلب الروس أيضاً تشكيل لجنة للتحقيق في هذه القضية”.
المصالح الأمريكية
وذكر المحلل في الشؤون الدولية أن الغرب يتهم روسيا، كما أن روسيا بدروها تتهم الغرب، خاصة الولايات المتحدة، بتخريب خطي أنابيب الغاز، قائلاً: “مع الأخذ في الاعتبار الفوائد التي تعود على الطرفين من جراء تخريب هذه الأنابيب، يبدو أن أكبر الفوائد تعود إلى الولايات المتحدة؛ لأنه منذ البداية كان هذا البلد معارضاً قوياً لإنشاء وتشغيل خط أنابيب الغاز نورد ستريم 2، والذي تم بناؤه بتكلفة 11 مليار دولار وتزامن تدشينه مع الحرب في أوكرانيا، ولذلك لم تشغل ألمانيا هذا الخط فعلاً”.
وأضاف ميرطاهر: “أصرت الولايات المتحدة، منذ عهد أوباما، على أن أوروبا يجب أن تقلل اعتمادها على الغاز الروسي وأن تتحول بدلاً من ذلك إلى شراء الغاز الطبيعي المسال الأمريكي. بالتأكيد، إذا تعرضت خطوط نقل الغاز من روسيا إلى أوروبا بأي شكل من الأشكال للتخريب أو العطل أو توقف العمليات، فإن الفرصة ستتاح للولايات المتحدة أكثر مما كانت عليه في الماضي لتتمكن من الاستفادة من هذه الظروف وزيادة تصدير الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا وهو ما يضر بروسيا”.
وذكر أن الروس ردوا على الأعمال العدائية لأوروبا، وخاصة فرض العقوبات، بخفض توريد الغاز والنفط إلى أوروبا بشكل أساسي، مضيفاً: “تسبب هذا الأمر في أزمة اقتصادية واجتماعية كبيرة في الدول الأوروبية، خاصة في صناعات مثل الصلب والألمنيوم والزنك والصناعات البتروكيماوية وجميع الصناعات التي تعمل بطريقة ما بالغاز أو كهرباء المحطات التي تعمل بالغاز وتعرضت للتوقف أو انخفاض حاد في الإنتاج. بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن يؤدي الانخفاض المستمر في صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا إلى ارتفاع سعر الغاز إلى 5000 يورو للمتر المكعب”.
وأكد الخبير في الشؤون الدولية: “في هذه الحالة، هناك احتمال ضئيل بأن يكون الروس هم من قام بهذا التخريب؛ إذ يزعمون أنهم حصلوا على أدلة تظهر أن عناصر أمريكية، بمن فيهم قوات خاصة وسفن وقوارب أمريكية، شوهدت حول خطوط الأنابيب هذه في بحر البلطيق، وهذا يزيد بشكل كبير من احتمال التخريب على يد الأمريكيين”.
غلاء الغاز الأمريكي المصدر إلى أوروبا
وقال ميرطاهر: “بغض النظر عن سبب تسرب الغاز فإنه يصب في مصلحة الولايات المتحدة أكثر من أي طرف آخر. في هذا الخضم، أعلن وزير الاقتصاد الألماني أن الغاز الطبيعي المسال الذي تصدره الولايات المتحدة إلى أوروبا مكلف للغاية. ستضع هذه القضية ضغوطاً كبيرة على الدول الأوروبية التي تستورد الغاز الأمريكي. بشكل أساسي، كان أحد أسباب استخدام الأوروبيين للغاز السوفيتي ولاحقاً الروسي منذ الحقبة السوفيتية هو وجود خطوط الأنابيب والسعر الرخيص لهذا الغاز، والذي يعتبر حيوياً للغاية بالنسبة للصناعات والشعوب الأوروبية”.
وأردف قائلاً: “في الوقت الحالي، قد انتهت تلك الفترة الذهبية وبالنظر إلى أنه لا يتم فعلاً تصدير كمية ملحوظة من الغاز من روسيا إلى أوروبا، فإنهم يضطرون إلى اللجوء إلى مصادر أخرى لا يمكنهم الحصول عليها أيضاً على المدى القصير خاصة، فضلاً عن أن تلك المصادر لن توفر ما يكفي من الغاز لأوروبا. خلقت هذه القضية أزمة كبيرة للبلدان الأوروبية، وبسبب التخريب الذي تعرضت له خطوط أنابيب نورد ستريم، أصبح هذا الوضع الكارثي أكثر خطورة”.
وأشار محلل القضايا الدولية إلى تصريحات “ريتشارد بلوك”، السيناتور الأمريكي السابق، بأن تفجير خطي أنابيب نورد ستريم تم تنفيذه من قبل وكالة المخابرات المركزية بموافقة المستشار الألماني، ما أدى إلى قطع استيراد الغاز إلى ألمانيا تحت قيادة أولاف شولتز، موضحاً: “كانت ألمانيا الخاسر الأكبر من هذا التخريب ولا يُعقل أبداً أن تتجه هي نحو الانتحار غازياً وتقطع عن نفسها الطاقة التي هي في أمس الحاجة إليها”.
رغبة الولايات المتحدة في تعميق التبعية الأوروبية
أشار ميرطاهر إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا على أوروبا، وذكر: “الولايات المتحدة ليست بالتأكيد مهتمة بوجود أوروبا قوية، بل تبحث عن أوروبا ضعيفة تعتمد كلياً على الولايات المتحدة في جميع المجالات، خاصة في القضايا الحيوية. في حين أن الأمريكيين كانوا ينتقدون الأوروبيين في كثير من الأحيان بسبب اعتمادهم على الغاز الروسي، فهذه القضية سوف تنطبق عليهم أيضاً؛ فيجب على المرء أن يتساءل عما إذا كان اعتماد أوروبا على الغاز الأمريكي يعتبر أمراً إيجابياً تبحث عنه الولايات المتحدة اليوم”؟
وأكد: “بالنسبة للأوروبيين، فإن الاعتماد على الغاز الأمريكي لن يكون مكلفاً للغاية فحسب، بل سيكون له أيضاً تداعيات كثيرة وسيجلب عليهم العديد من الصعوبات؛ قضايا لم تكن موجودة فيما يتعلق بصادرات الغاز الروسي إلى أوروبا. اليوم فإن أكبر الخاسرين من جراء الحرب في أوكرانيا والمواجهة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا هم الأوروبيون”.
ووفقاً لمحلل القضايا الدولية، أصبح الأوروبيون “وقود مدافع” للولايات المتحدة في حين أن الأخيرة، مثل الحرب العالمية الثانية، لم تتعرض أبداً لمخاطر الحرب بشكل مباشر. في هذه الحالة، فإن الأوروبيين هم الذين يتعين عليهم تحمل المعاناة ودفع ثمن المواجهة وحرب الولايات المتحدة بالوكالة مع روسيا على حساب الازدهار والمزايا والفوائد التي تمتع بها الشعب الأوروبي والمواطنون حتى الآن”.
0 Comments