جدیدترین مطالب
واقع اتفاق مكة الثلاثي
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ حوار: أثار توقيع اتفاق مكة بين السعودية وباكستان وتركيا تساؤلات بشأن مستقبل الهيكل الأمني في المنطقة ومكانة هذه الدول في معادلات غرب آسيا. فهل يمكن لهذا الاتفاق أن يتحول إلى آلية حقيقية للدفاع الجماعي، أم أنه، أكثر من كونه مصدراً لقدرة عسكرية جديدة، يؤدي وظيفة سياسية وردعية؟
أحدث المقالات
واقع اتفاق مكة الثلاثي
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ حوار: أثار توقيع اتفاق مكة بين السعودية وباكستان وتركيا تساؤلات بشأن مستقبل الهيكل الأمني في المنطقة ومكانة هذه الدول في معادلات غرب آسيا. فهل يمكن لهذا الاتفاق أن يتحول إلى آلية حقيقية للدفاع الجماعي، أم أنه، أكثر من كونه مصدراً لقدرة عسكرية جديدة، يؤدي وظيفة سياسية وردعية؟
القطب الشمالي؛ من جمود جغرافي إلى غليان جيوسياسي

لطيف قاسمي ـ خبير في الشؤون الجيوسياسية
إن تحوّل القطب الشمالي لم يكن مجرد نتاجٍ للتغيرات المناخية، بل هو نتيجة عودة الجغرافيا إلى مركز السياسة الدولية. فقد أدى تراجع سماكة الجليد وإطالة مواسم الملاحة إلى تحويل “الممر البحري الشمالي” من فكرة نظرية إلى خيار عملي للتجارة العالمية. وكان هذا التحول كافياً لأن تتحول منطقة كانت يوماً على هامش الحسابات الاستراتيجية إلى ميدان تنافس بين القوى الكبرى.
تشير التقارير المنشورة في مركز الأبحاث “المجلس الأطلسي” إلى أن الاستراتيجية الجديدة للسويد تُظهر أن الدول النوردية (دول شمال أوروبا) تنظر إلى القطب الشمالي لا باعتباره مجرد قضية بيئية، بل كجزء من البنية الأمنية الأوروبية. وفي هذا الإطار، أصبحت تهديدات الحرب الهجينة، وحماية البنى التحتية البحرية، وأمن خطوط الملاحة، من أولويات المرحلة الجديدة.
وفي المقابل، تؤكد التحليلات المنشورة في موقع “اوراسيا ريفيو” (rerasia review) أن القطب الشمالي دخل مرحلة من “التنافس المستدام”؛ وهو تنافس لا يبلغ مستوى الحرب المباشرة، ولا يعود إلى تعاونٍ مريح كما في السابق. فالمنطقة اليوم نموذج واضح لمنافسةٍ متحكم فيها: اللاعبون الكبار يتحركون بحذر، لكنهم لا يتراجعون.
الاستراتيجية الروسية؛ تثبيت تدريجي لا استعراض صاخب
استثمرت روسيا أكثر من أي فاعل آخر استثماراً استراتيجياً في القطب الشمالي. فامتلاكها أطول خط ساحلي، وإمكانية الوصول المباشر إلى الموارد، والخبرة التاريخية في الحضور ضمن هذا الامتداد، يضع موسكو في موقع مميز. غير أن الأهم ليس مجرد حضورها، بل أسلوب عملها.
تشير التحليلات المنشورة في “مجلس الشؤون الدولية الروسي” إلى أن الكرملين ينظر إلى القطب الشمالي باعتباره جزءاً من الأمن القومي، بل وحتى من هويته الجيوسياسية. عملياً، ترتكز الاستراتيجية الروسية على ثلاثة أعمدة:
أولاً، إعادة بناء وتحديث القواعد العسكرية العائدة إلى الحقبة السوفيتية. ولا يقتصر هذا الإجراء على بُعد رمزي، بل يُنشئ شبكة نقاط ارتكاز للدعم اللوجستي، والمراقبة الجوية والبحرية، وضمان الحضور المستمر.
ثانياً، تطوير أسطول كاسحات الجليد النووية والبنى التحتية للموانئ. فروسيا، بامتلاكها أكثر أساطيل كاسحات الجليد تقدماً في العالم، تمسك عملياً بالتحكم التشغيلي في الممر البحري الشمالي. وهذا التحكم يعني قوة اقتصادية وسياسية في آنٍ معاً.
ثالثاً، متابعة المطالبات القانونية في إطار اتفاقية قانون البحار. تسعى موسكو إلى تعزيز حضورها الميداني بشرعية قانونية. وهذا المزج بين القوة الصلبة والأداة القانونية هو النمط ذاته الذي يُلاحظ في مناطق استراتيجية أخرى: التثبيت قبل اكتمال القواعد.
في الواقع، تمضي روسيا في القطب الشمالي لا بعجلة أو حماسة، بل بصبرٍ وتخطيط. هذا “التثبيت الهادئ” قد يكون أقل صخباً من المناورات الكبرى، لكنه أكثر عمقاً في الأثر.
تحولت غرينلاند إلى إحدى النقاط الحساسة في هذا التنافس. وتشير التحليلات المنشورة في “مركز ستيمسون” إلى أن هذه الجزيرة تحظى بأهمية كبيرة، سواء من حيث الموارد المعدنية الحيوية أو بسبب موقعها الاستراتيجي في مراقبة شمال المحيط الأطلسي.
وفي هذا الملف، لا يقتصر الأمر على التنافس بين روسيا والغرب؛ بل إن العلاقات داخل التحالفات نفسها تتعرض لضغوط. فالولايات المتحدة، وأوروبا، والدول الإسكندنافية، لكل منها تصورها الخاص لإدارة هذا الفضاء. ويُظهر اختلاف هذه التصورات أن القطب الشمالي ليس مجرد ساحة مواجهة بين كتل، بل ميداناً لإعادة ضبط العلاقات داخل الكتل أيضاً.
أنماط سلوك القوى الكبرى في القطب الشمالي
من خلال تجميع سلوك روسيا والولايات المتحدة والدول النوردية، يمكن رصد عدة أنماط واضحة:
أولاً، الحضور الاستباقي؛ فلا قوة تنتظر اكتمال تثبيت القواعد، بل يسعى الجميع إلى ترسيخ موطئ قدمهم قبل إقرار الترتيبات القانونية النهائية.
ثانياً، الربط بين الاقتصاد والأمن؛ فالاستثمار في الموانئ والطاقة والممرات البحرية ليس اقتصادياً فحسب، بل أداة نفوذ وردع.
ثالثاً، إدارة التوتر دون عتبة الحرب؛ فالمنافسة شديدة، لكن الجميع يدرك أن الانخراط في صراع مباشر في القطب الشمالي سيحمل كلفة غير متوقعة؛ لذا يلجأ اللاعبون إلى أدوات رمادية، ودبلوماسية انتقائية، واستعراض قوة محدود.
رابعاً، الاستخدام المتزامن للأدوات الصلبة والناعمة؛ من المناورات البحرية إلى الحجج القانونية وصناعة السرديات الإعلامية، كلها توظَّف لتثبيت الموقع.
وهذه الأنماط لا تقتصر على القطب الشمالي. فما نشهده في هذا الامتداد المتجمد يتكرر في مناطق بحرية أخرى؛ غير أن القطب الشمالي، بحكم حداثة مساراته وموارده، يُظهر هذه السلوكيات بوضوح أكبر وتجرد أوضح.
الانعكاسات على الأمن البحري في المستقبل
لم يعد الأمن البحري في القرن الحادي والعشرين مرتبطاً بعدد السفن والغواصات فحسب. فالبنية التحتية للموانئ، وشبكات المراقبة الفضائية، وقدرات كاسحات الجليد، والشرعية القانونية، بل وحتى إدارة السردية، كلها مكونات للقوة البحرية الحديثة. وقد كشف القطب الشمالي هذا التحول بوضوح أكبر.
تُظهر المنافسة في هذه المنطقة أن القوة البحرية المستقبلية ستكون شبكية ومتعددة الطبقات. والدولة التي تستطيع الجمع بين الحضور المادي، والبنية الاقتصادية، والشرعية القانونية في آنٍ واحد، ستكون في موقع متقدم. وروسيا تحديداً تمضي في تثبيت مكانتها وفق هذا النهج.
وفي النهاية، ليس القطب الشمالي استثناءً؛ بل هو استشراف. فما يجري اليوم في مياه الشمال الباردة سيتكرر غداً في بحار استراتيجية أخرى. وفهم الديناميات القائمة في هذه المنطقة يتيح إدراك أنماط سلوك القوى الكبرى؛ وهي أنماط تقوم على الصبر الاستراتيجي، والتثبيت التدريجي، وتوظيف أدوات متعددة.
في عالم عادت فيه منافسة القوى إلى صلب السياسة الدولية، يُظهر القطب الشمالي أن البحار باتت مجدداً الساحة الرئيسية للجغرافيا السياسية؛ لكن هذه المرة، لا بمدافع القرن التاسع عشر، بل بالشبكات، والبنى التحتية، والقواعد التي ما تزال في طور التشكّل.
0 Comments