المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: في ظل وصول المعادلات الأمنية في المنطقة إلى مرحلة حساسة متأثرة بالتقابل الاستراتيجي بين إيران والولايات المتحدة والكيان الصهيوني، اكتسب التساؤل حول طبيعة القوة الدفاعية لطهران أهمية أكبر من أي وقت مضى. فبينما تعتمد واشنطن وتل أبيب على تفوقهما التكنولوجي، قدمت الجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذجاً للردع يتجاوز حسابات الجيوش الكلاسيكية المادية في العالم. هذه القوة، المتجذرة في الارتباط بين "الميدان" و"الشعب"، لم تغير فقط موازين القوى في المعارك الأخيرة، بل أربكت حسابات الأعداء في مواجهة العمق الاستراتيجي لإيران.
سيدرضا صدرالحسيني ـ خبير في الشؤون الدولية
تستند استراتيجيات الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مجال الردع إلى الاستفادة الكاملة من إرادة وقدرات الشعب الذي أوصل الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني (رحمة الله عليه) إلى مرحلة الانتصار باستخدام التعاليم الدينية والمكونات الشيعية. العامل الأكثر أهمية في ردع الجمهورية الإسلامية هم الشعب الذي حافظ، طوال الـ 47 عاماً الماضية منذ انتصار الثورة الإسلامية، على دعم الثورة وإنجازاتها وعمل على تنميتها وتعميقها. هذا الأمر، أي الاستفادة من القدرات العامة للشعب، يسري في جميع المجالات الاستراتيجية مثل الدفاعية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والأمنية. بمعنى أن مسألة الردع في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تستند بأي حال من الأحوال إلى الأدوات والإمكانيات المادية فحسب. بالطبع، هذا لا يعني عدم الاستفادة من الإمكانيات المادية، بل إن هذه الإمكانيات مصحوبة بخلفية روحية.
تُعد القدرات الدفاعية المحلية أحد المكونات الهامة الأخرى لردع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي باستخدام القدرات العامة للبلاد في مختلف القطاعات، تبرز اليوم هذه القوة الرادعة في مواجهة أكبر جيوش العالم بشكل جعل تلك الدول تقر بقدرة إيران على الردع. في الوقت نفسه، تعتبر القوات المسلحة في البلاد الشعب أهم سند لها، وفي الحقيقة يمكن القول إن الشعب هو الدعامة الأساسية للمعدات العسكرية للجمهورية الإسلامية الإيرانية. في هذا السياق، يجب الانتباه إلى أن أحد أهم مكونات ردع الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو الانسجام العام بين فئات الشعب. في الواقع، على الرغم من وجود تباینات عرقية ومذهبية متعددة في البلاد، لا توجد مسألة انقسام أو شقاق بين مختلف القوميات والمذاهب، وهذا التصور الواضح للردع الذي يستند إلى مكون الانسجام العام، ظهر بوضوح في الأسابيع الماضية في إطار حملة شعبية باسم “جان فدا” (روحي فداء).
كما يجب أن نولي اهتماماً لحقيقة أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم، في مجالي الدفاع والهجوم، أظهرت قوتها الرادعة بشكل جيد في حربين استمرتا 12 يوماً و 40 يوماً. فقد استطاعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، باستخدام قدراتها المحلية التي حققها متخصصون مختلفون، بما في ذلك متخصصون جامعيون ونشطاء في الصناعات الدفاعية في البلاد، أن تظهر للعالم إحدى أقوى القوى العسكرية، لا سيما في مجالي الصواريخ والطائرات المسيّرة. في الواقع، تمتلك الجمهورية الإسلامية الإيرانية أقوى قدرات صاروخية ودفاع جوي في المنطقة، وتعتبر من بين أقوى أربع دول في العالم في هذا المجال. بالطبع، يجب الانتباه إلى أن الدفاع المشروع للجمهورية الإسلامية الإيرانية قد أثبت اليوم للعالم ليس فقط في مجال الصواريخ، بل أيضاً في مجالي الفضاء السيبراني والحرب الإلكترونية.
علاوة على ذلك، فإن استلهام الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مجال “الفكر الجديد” لقلوب الناس حول العالم في مختلف النقاط، مع إعطاء الأولوية لدول المنطقة والتيارات والمجموعات المختلفة، قد أوجد اليوم تيارات متعددة في إطار نظرية المقاومة، والتي تُعرّف كأحد مكونات الردع والعمق الاستراتيجي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في إطار تيارات المقاومة. أحد الأبعاد الاستراتيجية الأخرى لردع الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو اتساع رقعة البلاد، والتجاور مع 15 دولة لها حدود مشتركة برية ومائية معها، والسيطرة على الممرات المائية الهامة والأساسية في مجموعة الممرات المائية الدولية، وبكلمة واحدة، الموقع الجيوسياسي لإيران.
لا شك أن الموقع الجغرافي للدول هو جزء من أصول تلك الدول ويمكن استخدامه كعامل قوة. لذا، فإن القدرة الجغرافية والسكانية والموقع الجغرافي لإيران يعد عامل ردع بحد ذاته، وقد خلق قوة لإيران. إن السيطرة على مضيق هرمز هي بلا شك جزء من مكونات قوة الردع الإيرانية.
النقطة التالية التي يجب إضافتها إلى ردع الجمهورية الإسلامية هي الخطاب القائم على العدالة، والذي استطاع اليوم بين شريحة كبيرة من شعوب العالم أن يخلق ظروفاً يتم فيها رفع علم الجمهورية الإسلامية الإيرانية كنموذج لخطاب بلدنا، حتى في الدول المعادية مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وإظهار مشاعر الاحترام تجاه هذا العلم الذي يمثل رمزاً للشعب الإيراني.
0 Comments