المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: قام فلاديمير بوتين، رئيس جمهورية روسيا الاتحادية، مساء يوم 19 مايو/أيار بزيارة إلى العاصمة الصينية بكين؛ وهي زيارة تحظى بأهمية خاصة نظراً للظروف المتوترة في منطقة الخليج والعالم بشكل عام.
جهانبخش ايزدي ـ دكتوراه في العلاقات الدولية واستاذ جامعي
إن روسيا والصين فاعلان يبديان استياءهما من الظروف الدولية الراهنة. فهذان البلدان غير راضيين عن هيمنة الغرب على المؤسسات الدولية، بما في ذلك الهياكل الاقتصادية والمالية، والمؤسسات المعيارية، والمجالات المتعلقة بحقوق الإنسان، وآليات الأمن بشكل عام. وهما يبحثان عن استراتيجية للتحرر من هذا الوضع في تطوير التعاون الاستراتيجي الثنائي؛ ولهذا الغرض، صمم مسؤولو بكين وموسكو سلسلة من اللقاءات الدورية المنتظمة، كان آخرها الزيارة الأخيرة لفلاديمير بوتين إلى بكين.
في الزيارة الأخيرة، بُذلت جهود لتعزيز نهج المواجهة وفرض التكلفة على الطرف المقابل لهذا التكتل، إلى جانب سعيهما لحشد دول أخرى للانضمام إليهما. ويُنظر إلى تشكيل التحالفات الإقليمية والدولية مثل “مجموعة بريكس” و”منظمة شنغهاي للتعاون” في هذا السياق، وهناك احتمال لظهور رموز أخرى من هذا النوع في المستقبل.
وفي هذا الصدد، أصدر بوتين وشي جين بينغ وثيقة تمثل بياناً مشتركاً حول تشكيل عالم متعدد الأقطاب ونوع جديد من العلاقات الدولية. كما كان بوتين قد أكد في رسالة قبل بدء هذه الزيارة أن روسيا والصين تدعمان التعاون في إطار منظمة الأمم المتحدة، ومنظمة شنغهاي للتعاون، ومجموعة بريكس، ومنصات متعددة الأطراف أخرى.
لذا، فإن زيارة بوتين الأخيرة، التي تمت في إطار زيارات قادة البلدين كل ستة أشهر، تمحورت حول مواضيع مثل تعزيز العلاقات الثنائية، وبناء التحالفات، وتوطيد التعاون الدولي.
بالطبع، ما هو واضح في الواقع وفي الظاهر هو أن بوتين وشي لا يريدان أن يُفسر تعزيز علاقاتهما الثنائية على أنه تحول ذو معنى في المواجهة مع الغرب، وهما يراعيان جانب الحذر دائماً.
وفي حين يعتقد البعض أن روسيا والصين أصبحتا متوافقتين بشكل متزايد في تحدي مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى في الشؤون العالمية، إلا أنه في الظروف الراهنة، لا يبدو أن هذه الإجراءات ستؤدي إلى تحول ذي معنى في المواجهة مع الولايات المتحدة والغرب.
كما ذكر الرئيس الروسي، وصلت علاقات البلدين اليوم إلى مستوى غير مسبوق، وقد ارتقى هذا التعاون من التعاون الاستراتيجي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية. في الواقع، تجاوز البلدان منذ فترة طويلة التعاون التكتيكي، بالمعنى المتداول في العلاقات الدولية. ففي التعاون التكتيكي، تبقى العلاقات عند ذلك المستوى ولا تصل إلى مستوى الاستراتيجية، لكن هذه العلاقات ارتقى مستواها الآن إلى المستوى الاستراتيجي.
نقطة أخرى هي أن العلاقات الدولية تشهد تدريجياً وببطء نوعاً من الانسلاخ تغيير الجلد؛ دون أن يكون هناك هدف محدد مصمم لذلك. وعند النظر إلى أفق هذا النوع من المبادلات الاستراتيجية على المستوى الدولي، يُلاحظ أن نوعاً من الاصطفاف يتشكل في العلاقات الدولية، له في البداية جانب سلبي ويأخذ تدريجياً جانباً إيجابياً؛ أي أنه يبدأ بنفي الآخرين ويصل إلى قبول بعضهم البعض. وما يُلاحظ على مستوى العلاقات الدولية هو معنى مخالف لهذه النقطة؛ بمعنى أن العلاقات الدولية قد تتخذ في المستقبل شكلاً فوضوياً؛ لأنه مادام لم يُلاحظ وجه إيجابي، فلا يمكن إيجاد نقطة تحول.
إن مقولة علاقات الصين وروسيا تمثل حالياً هذا النموذج نفسه. فالصين وروسيا لديهما خلافات كثيرة مع بعضهما البعض؛ سواء فيما يتعلق بطبيعة العلاقات الدولية، أو في القضايا النقدية والحدودية، أو في طبيعة الحكم. على سبيل المثال، تُعرف الصين كفاعل محافظ، حذر جداً وقابل للمشورة، يتحرك بتأنٍ، بينما روسيا دولة ذات هيكل قوة محورها السلطة وتصادمية، وهذان النوعان من الحكم ليس لهما طبيعة متشابهة. لكن هذين البلدين لديهما أوجه تشابه؛ على سبيل المثال، في عمليات التصويت في مجلس الأمن الدولي حول القضايا الاستراتيجية المهمة، يتخذان مواقف متشابهة تماماً. وفيما يتعلق بإيران وملفات أخرى في العلاقات الدولية، ساد المنطق نفسه.
بالطبع، كل هذه الأبعاد سلبية؛ فعندما يُلاحظ أنه في مواجهة الدولار يتجهان نحو مجموعة بريكس، أو في مواجهة نفوذ الغرب يتجهان نحو منظمة شنغهاي للتعاون، وفي مواجهة نوع الحكم يميلان نحو نماذج خاصة وحكومات منغلقة، فهذه كلها تمثل الجانب السلبي للقضية.
لذا، فإن روسيا والصين لديهما حالياً تقارب تكتيكي فيما يتعلق بالمواجهة مع الغرب، لكن فيما يخص مقدار الثقة ببعضهما البعض، فهما تعيشان في هالة من الغموض، وهذه حقيقة تُستنبط من نوع علاقاتهما.
ومع ذلك، فإن الوجه المشترك بين روسيا والصين وإيران هو أن لديهما تحفظاً تجاه النظام الحاكم على العلاقات الدولية، وكل واحدة تتابع مواجهتها لنظام الهيمنة بأدبياتها ومنطقها الداخلي للحكم. هذه الهيمنة يمكن أن تشمل سيادة الدولار، وأسس النظام الدولي، والمؤسسات والآليات الهيكلية، أو حتى الهيمنة الخطابية للغرب. لذا، تشترك الدول الثلاث في الرأي بشأن المواجهة مع هيمنة وحكم الغرب على النظام الدولي، لكن كل واحدة منها تتبع أساليبها الخاصة.
0 Comments