المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ حوار: قال خبير في شؤون الطاقة: "يمكن لإيران، من خلال تعزيز التعاون مع الدول المجاورة والتحول إلى المسار الرئيسي لصادرات طاقة تركمانستان، أن تثبّت دورها المحوري في سوق الطاقة الإقليمية".
أهمية الغاز في تعزيز التضامن الإقليمي المستدام
قال برويز سنكين، مستشار نائب وزير النفط لشؤون الهندسة والبحث وتكنولوجيا المعلومات، والممثل السابق والمفوض لوزارة النفط في المنظمة الوطنية للذكاء الاصطناعي، في حوار مع الموقع الالكتروني للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية حول دبلوماسية الطاقة للجمهورية الإسلامية الإيرانية في غرب وجنوب ووسط آسيا، والأطر الاستراتيجية والفرص المتاحة أمامها: “تُعد دبلوماسية الطاقة أحد الأدوات الرئيسية للسياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في البيئة الإقليمية المعقدة الراهنة؛ وهي بيئة تتسم بتنافس كبار الفاعلين في مجال الطاقة، والعقوبات الأحادية، وتغيّر مسارات التجارة العالمية، ومساعي دول المنطقة لزيادة حصتها في سوق الطاقة العالمية. وفي مثل هذه الظروف، فإن الاستخدام الذكي لإمكانيات النفط والغاز وآليات العبور يمكن أن يعزز المكانة الجيوسياسية لإيران ويخلق تضامناً مستداماً مع الدول المستهدفة”.
وأكد على أن الغاز يُشكّل الأساس في إنشاء تضامن مستدام في هذه الصدد، موضحاً: “الغاز الطبيعي، بحكم طبيعته القائمة على البنية التحتية وحاجته إلى عقود طويلة الأمد، يُعد من أكثر الأدوات فاعلية في إنشاء روابط دائمة بين إيران ودول المنطقة. إن ربط الدول بشبكة الغاز الإيرانية يوفّر أرضية لإقامة علاقات طويلة الأمد، وزيادة الثقة المتبادلة، وتقليص إمكانية استبدال المصادر من قبل المنافسين”. وتطرق الخبير إلى ميزة استخدام دبلوماسية الطاقة لتعميق العلاقات مع العراق وباكستان وأفغانستان، قائلاً: “يُعد العراق أهم سوق للغاز الإيراني. فصادرات الغاز إلى محطات توليد الكهرباء في بغداد والبصرة تؤدي دوراً أساسياً في تأمين الكهرباء لهذا البلد، وقد أوجد ذلك نوعاً من التضامن البنيوي. إن استمرار الصادرات وتطوير أوجه التعاون التكميلي في مجالات الكهرباء، وصيانة الشبكات، والاستثمار المشترك، يمكن أن يعمّق هذه الروابط”.
وأضاف: “على الرغم من عدم اكتمال خط أنابيب السلام، فإن مجالات التعاون الغازي مع باكستان ما تزال قائمة. فالاستفادة من نماذج مرنة، من بينها مقايضة غاز تركمانستان لاستهلاك باكستان، والتصدير المرحلي على نطاق محدود عند الحدود المشتركة، وتطوير سوق الغاز البترولي المسال والكهرباء، يمكن أن تكون قابلة للتنفيذ حتى في ظل العقوبات. وتُعد باكستان أحد المراكز الجيوسياسية المهمة لروابط الطاقة الإيرانية”.
وشدد مستشار نائب وزير النفط لشؤون الهندسة والبحث وتكنولوجيا المعلومات قائلاً: “أفغانستان أيضاً بحاجة إلى الكهرباء والوقود ومنتجات الطاقة الإيرانية. ويمكن لتوسيع مقايضة الطاقة مع هذا البلد أن يسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي، والتفاعلات الحدودية، وتشكيل روابط طويلة الأمد”.
أهمية دور إيران في معادلات الغاز
وفي ما يتعلق بنهج إيران في هذا المجال، قال: “في قطاع تصدير النفط والسوائل الغازية، تستفيد إيران في ظل العقوبات من مسارات تصدير متنوعة وآليات مرنة للحفاظ على حصتها. وفي المقابل، تسعى السعودية والإمارات، بفضل قدراتهما العالية في التصدير الرسمي، إلى تثبيت موقعهما. وفي مثل هذه الأجواء، يمكن لإيران، عبر السعي للوصول إلى أسواق ناشئة في أفريقيا وجنوب آسيا، وزيادة صادرات الغاز البترولي المسال، والاستفادة من قدرات المقايضة، أن تعزز قدرتها التنافسية. فالسعودية والإمارات تفتقران إلى شبكات تصدير الغاز عبر الأنابيب، وتعتمدان بدرجة أكبر على الغاز الطبيعي المسال. وهذا يوفّر لإيران فرصة لاكتساب موقع متفوق ومستدام في التفاعلات الغازية الإقليمية، بالاعتماد على شبكة الأنابيب وموقعها الجغرافي”.
وأكد ضرورة استمرار وتعزيز تعاون إيران مع الدول الثلاث الرئيسية العراق وباكستان وأفغانستان، قائلاً: “ينبغي لإيران أن تولي اهتماماً استراتيجياً بهذه الدول الثلاث في ساحة التنافس الطاقوي. إن استمرار صادرات الغاز، وتعزيز التعاون الفني، وإبرام عقود طويلة الأمد، والدخول في مشاريع مشتركة لمحطات الكهرباء، يمكن أن يثبّت موقع إيران في سوق الطاقة العراقية ويحدّ من نفوذ المنافسين. كما أن إيران وباكستان قادرتان على إنشاء نموذج تعاون متعدد المستويات يشمل الغاز والكهرباء والمنتجات النفطية والغاز البترولي المسال والمقايضة الإقليمية، وهو نموذج قابل للتنفيذ رغم القيود الناجمة عن العقوبات. وسيعزز هذا النموذج ركائز العلاقات طويلة الأمد بين البلدين. وإلى جانب ذلك، فإن تطوير صادرات الكهرباء والوقود، والارتقاء بالتعاون الفني، وإنشاء آليات حدودية محورها الطاقة، يمكن أن يعزز دور إيران في اقتصاد أفغانستان ويسهم في الاستقرار الإقليمي”.
مقايضة الطاقة، الممرات الجديدة، والفرصة الخاصة لتركمانستان
وحول دور روسيا وتركمانستان وآليات المقايضة، مع التركيز على الإطارين الفني والعملي لاستيراد الغاز الروسي، قال: “إن ربط شبكات الغاز الروسية والتركمانية يتيح من الناحية الفنية نقل الغاز الروسي إلى إيران، إلا أن عاملين أساسيين يقيّدان ذلك: أولاً، أن خط الأنابيب السوفيتي القديم فقد في السنوات الأخيرة وظيفته الأساسية ويحتاج إلى إعادة تأهيل وتعزيز الضغط وتحديث البنية التحتية؛ وثانياً، أن أجزاء من هذه الشبكة تُستخدم للاستهلاك الداخلي في جمهورية أذربيجان، ولا تتوافر عملياً طاقة حرة ومستقرة للعبور باتجاه إيران. وبالتالي فإن الاستخدام الاستراتيجي لهذا المسار يتطلب استثمارات جديدة، واتفاقات ثلاثية، وإرادة سياسية من دول المسار”.
وأشار هذا الخبير في شؤون الطاقة إلى إمكانيات تطوير مقايضة الغاز في المنطقة، قائلاً: “تُعتبر المقايضة آلية منخفضة الكلفة وفعّالة لتعزيز الدور الإقليمي لإيران. ويمكن لتطوير مقايضة الغاز بين إيران وتركمانستان وجمهورية أذربيجان وتركيا وباكستان أن يرفع الدور الجيوسياسي لإيران بصورة ملحوظة من دون الحاجة إلى زيادة الإنتاج الداخلي”. كما أشار إلى سلة الغاز التركية وشراء أنقرة من ثلاث دول هي روسيا وإيران وجمهورية أذربيجان، مضيفاً: “أعلن وزير الطاقة التركي مؤخراً أن بلاده، إلى جانب استمرارها في شراء الغاز من روسيا، تحتاج أيضاً إلى الغاز الإيراني والأذربيجاني”.
وفي رده على سؤال حول كيفية تسهيل تعاون إيران مع دول آسيا الوسطى الأخرى، ومنها تركمانستان، مع التأكيد على تعزيز دور إيران في تجارة واقتصاد تركمانستان، قال: “تُعد تركمانستان من كبار منتجي الغاز والمنتجات المرتبطة به في المنطقة، لكنها بسبب القيود الجغرافية لا تمتلك إمكانية استخدام مسارات تصدير متنوعة. ومن الفرص الاستراتيجية والأقل استغلالاً أمام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التحول إلى المسار الرئيسي لصادرات منتجات الطاقة التركمانية”.
وأشار مستشار نائب وزير النفط لشؤون الهندسة والبحث وتكنولوجيا المعلومات، إلى قدرات تركمانستان في مجالات الطاقة المختلفة، قائلاً: “تمتلك هذه الدولة قدرات جيدة في مجالات الكبريت، والسوائل الغازية (سوائل الغاز الطبيعي والمكثفات)، والمنتجات الثانوية لسلسلة الغاز، وبعض السلع غير الأحفورية الموجهة للتصدير، إلا أن كميات محدودة فقط من هذه السلع تُنقل حالياً عبر إيران وبصعوبات كبيرة. لذلك يمكن لإيران، من خلال اتفاق رسمي ومنظم مع حكومة عشق آباد، إرساء الترتيبات التالية:
1ـ جعل إيران المسار العابر الرئيسي لصادرات منتجات الطاقة التركمانية إلى الخليج الفارسي؛
2ـ إنشاء قدرات لوجستية مشتركة في الموانئ الجنوبية؛
3ـ تعزيز مكانة إيران كمركز لتجارة طاقة بحر قزوين؛
4ـ تقليص اعتماد تركمانستان على المسارات المحدودة الحالية وإنشاء ممر تصديري جديد”.
وقال: “تشمل فوائد مثل هذا الاتفاق لإيران زيادة العائدات من العبور والخدمات البترولوجستية، وتعزيز التفاعلات الاقتصادية طويلة الأمد مع تركمانستان، وزيادة الدور الجيوسياسي لإيران في آسيا الوسطى، وتعزيز مكانة إيران في شبكة الطاقة الإقليمية. ويمكن أن يتحول هذا المحور إلى أحد أركان مستقبل دبلوماسية الطاقة للجمهورية الإسلامية الإيرانية”.
وختم مستشار نائب وزير النفط لشؤون الهندسة والبحث وتكنولوجيا المعلومات، حواره بالقول: “إن دبلوماسية الطاقة الإيرانية، من خلال التركيز على ثلاثة محاور رئيسية هي تعزيز الدور الإقليمي عبر الغاز، والمنافسة الذكية مع كبار منتجي الخليج الفارسي، وتوسيع التعاون مع الدول المجاورة شرقاً وغرباً، يمكنها أن تزيد من الدور الجيوسياسي للبلاد في البيئة الإقليمية المتحولة. وفي هذا المسار، يوفّر الاستفادة من إمكانيات المقايضة، وتطوير التعاون مع عشق آباد، وإنشاء مسارات عبور جديدة، فرصاً مهمة لتعميق الروابط الاقتصادية والسياسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية”.
0 Comments