المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو أن التطورات السياسية في سوريا عززت من حافز حكومة الكيان الصهيوني لتحقيق الحلم القديم "إسرائيل الكبرى". "إسرائيل الكبرى"، التي تشمل الأراضي الواقعة بين نهري النيل والفرات، والتي اقترحها ثيودور هرتزل، مؤسس الكيان الصهيوني.
برسام محمدي ـ خبير في القضايا الإقليمية
وفي إطار هذا المخطط يتم ضم أراضي من مصر وسوريا والعراق ولبنان والكويت والسعودية وجميع أراضي الأردن وفلسطين إلى الأراضي المحتلة، مما يحقق حلم إسرائيل الكبرى.
والجدير بالتأمل هنا أن حلم إسرائيل الكبرى يشمل أيضاً أجزاء من الأناضول في جنوب شرق تركيا. وبغض النظر عن التفاعلات التي تجريها أنقرة مع تل أبيب، فإن هذه القضية بمثابة “جرس إنذار” خطير للسيادة والمجتمع التركي.
ويعد “ممر داود” أحد الخطوات الأولية لتحقيق حلم ما يسمى “إسرائيل الكبرى” الذي حذر منه عبد الملك بدر الدين الحوثي، زعيم جماعة أنصار الله في اليمن، في خطابه الأخير. حيث قال فيه: “العدو الصهيوني لديه مخطط يطلق عليه ممر داود… هذا الكيان المجرم يطمح للوصول إلى نهر الفرات ويرى أن الفرصة متاحة أمامه في ظل عدم وجود أي عائق أمام توغله في الأراضي السورية”.
وممر داود الذي يقرّب قادة الكيان الصهيوني من حلم إسرائيل الكبرى، هو ممر يُنشأ من خلال احتلال جنوب سوريا، ويشمل محافظات درعا والسويداء والتنف ودير الزور، ويصل إلى نهر الفرات. وتتمتع المنطقة التي يستهدفها هذا الكيان لإنشاء ممر داود بأراض زراعية خصبة وغنية بالموارد المائية والنفطية.
ومنذ شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2024، دخل الكيان الصهيوني إلى المنطقة منزوعة السلاح التي تفصل بين مرتفعات الجولان السورية المحتلة، وبدأ بعملية إنشاء ممر داود من خلال شق طريق بطول ثمانية كيلومترات جنوب شرق قرية مجدل شمس وعلى امتداد خط ألفا.
ورغم الجهود العديدة التي يبذلها الكيان الصهيوني للنهوض بمخطط “إسرائيل الكبرى” من خلال إنشاء ممر داود، إلا أن هذا المشروع وخطوته الأولى، رغم أنه لا ينبغي الاستهانة به، يواجه “عقبات” و”تحديات خطيرة”، نشير إلى أهمها فيما يلي:
أولاً؛ يتطلب تنفيذ ممر داود تخصيص عدة مليارات الدولارات من الموارد المالية والاقتصادية. ولا يمكن حالياً توفير مثل هذه المبالغ بسبب المشاكل الاقتصادية الحادة التي يواجهها الكيان بسبب الحرب. هناك حالياً الكثير من الغموض فيما يتعلق بالدعم المالي والاقتصادي الأمريكي لتنفيذ مثل هذا المخطط لأن التركيز الأساسي لإدارة ترامب حالياً ينصب على اتفاقيات إبراهيم وليس على القضايا الأخرى.
ثانياً؛ ويتطلب إنشاء مثل هذا الممر، الذي يبلغ طوله عدة مئات من الكيلومترات، إقامة قواعد وقوات عسكرية مع دعم جوي ودفاعي لضمان أمن الطريق والسيطرة عليه. في الوضع الحالي، الذي يواجه فيه الكيان الصهيوني نقصاً في المعدات وجيشاً منهكاً ومتعباً بسبب حرب غزة، فمن المستحيل عملياً تخصيص قوات وبنية تحتية عسكرية لهذه المهمة، وإذا أمكن، فالأمر سيكون صعباً للغاية.
ثالثاً؛ الوضع غير الواضح في سوريا هو التحدي التالي في هذا الصدد. وباستثناء قيادة هيئة تحرير الشام، لم يتعهد أحد في المجتمع السوري، ولا حتى في صفوف الجماعات المسلحة المتمردة، للكيان الإسرائيلي بالتزام الصمت في وجه أعماله الاحتلالية. خاصة إذا بدأ الكيان بإنشاء الممر، فمن غير المستبعد على الإطلاق أن يواجه رد فعل عسكري من الجماعات المهيمنة بسبب ضغط الرأي العام على النظام السياسي الجديد.
رابعاً؛ تشكل روسيا عقبة أخرى في هذا المجال. أولاً؛ يشكل وجود مثل هذا الممر تحدياً لنفوذ روسيا في سوريا الجديدة. ثانياً؛ ذكرت موسكو مراراً وتكراراً أنه حتى في مرحلة ما بعد الأسد، لا ينبغي انتهاك وحدة سوريا وسلامة أراضيها. ولهذا السبب لم تسمح لتركيا الى الآن حتى بتنفيذ عمليات محدودة ضد الأكراد.
خامساً؛ كما تظهر التجارب التاريخية أن الكيان الصهيوني لم يكن ناجحاً في تنفيذ مخططات تتجاوز نطاقه وحجمه. ويعد مشروع “قناة بن غوريون” مثالاً ملموساً في هذا الصدد. فقد سعى المشروع، الذي تم تصميمه في أواخر الستينيات، إلى إنشاء طريق بديل لقناة السويس، التي كانت طريق الشحن الرئيسي في الشرق الأوسط وكان من المفترض أن تربط قناة بن غوريون أوروبا وآسيا.
يبدأ هذا الممر المائي من مدينة إيلات على الساحل الجنوبي للأراضي المحتلة على شواطئ خليج العقبة (الحدود المائية مع الأردن) وبعد مروره بفلسطين المحتلة يصل إلى البحر الأبيض المتوسط من الحدود الشمالية لقطاع غزة. وفي الواقع، كان المراد من قناة بن غوريون هو ربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط.
كان من الممكن للرؤية الجريئة لهذا المخطط أن تغير اقتصاد الكيان الصهيوني، لكن هذا المخطط ظل صامتاً لأكثر من 60 عاماً، لأنه كان من الممكن أن يؤدي تنفيذه من جانب واحد وضم الأراضي الفلسطينية الى تأجيج العالم العربي، مما يجعل القناة عرضة لهجمات المقاومة الفلسطينية، بما فيها حماس، وربما يضع جزءاً كبيراً من المجتمع العربي والإسلامي في مواجهة الكيان.
إن الادعاء بالتوسع الإقليمي إلى مساحة أكبر بكثير تبلغ أضعاف مساحة فلسطين المحتلة الحالية، في وقت يمر فيه الكيان بأزمة تعد “الأكثر خطورة” في حياته التي تمتد لـ 76 عاماً ويواجه حالياً “تهديدات وجودية كبيرة”، لا يزال يشبه “حلماً” أكثر من كونه واقع يمكن تحقيقه.
يجب على الكيان الصهيوني أن يتجنب الاعتماد على “الثقة الزائفة” التي تعتمد على أسلحته وتقنياته ونجاحاته المؤقتة. إن ضم وإلحاق الأراضي المحيطة التي تضم حوالي 150 مليون نسمة من الأشخاص المعادين، ليس ممكناً للكيان الصهيوني أو أي دولة أخرى ذات قوة عسكرية محدودة وحتى أسلحة استراتيجية.
لذا فإن الاعتماد على الأسلحة والقدرات التي لا تستطيع التغلب على مجموعتين صغيرتين من المقاومة، يعني حماس والجهاد الاسلامي، بالإضافة إلى تنفيذ خطط ضم طموحة، هو “خطأ استراتيجي”. ويجب على الكيان الصهيوني أن يفهم جيداً أن حليفته الاستراتيجية الولايات المتحدة قد فشلت في نهاية المطاف في فيتنام والعراق وأفغانستان أمام مجتمعات وأنظمة لم تكن تملك الإمكانيات مقارنة بها.
0 Comments