المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ حوار: صرّح خبير بارز في شؤون شبه القارة الهندية: بعد فترة من التوتر المتزايد الذي أدى إلى طرد جماعي للاجئين الأفغان من باكستان وتراجع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين إسلام آباد وكابول، أعادت باكستان وأفغانستان علاقاتهما الدبلوماسية على مستوى السفراء،. وقد جاء هذا التحول بعد مشاورات رفيعة المستوى، تزامنت مع اجتماع غير رسمي لوزراء خارجية باكستان وأفغانستان والصين في بكين، وهو ما يعكس إرادة مشتركة لإعادة بناء الثقة وتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي. ويُعد هذا التحول الدبلوماسي ثمرة تضافر عوامل أمنية واقتصادية وجيوسياسية.
تحريك طالبان باكستان؛ جذور التوتر ومحور المصالحة؟
في حواره مع موقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، أكد نوذر شفيعي إنّ السبب الجوهري لتدهور العلاقات بين باكستان وطالبان يعود إلى أنشطة حركة “تحريك طالبان باكستان”، التي تعتبرها إسلام آباد جماعة إرهابية. وأضاف: هذه الحركة، التي تنشط انطلاقاً من قواعد لها داخل الأراضي الأفغانية، أصبحت تشكل عقبة رئيسية أمام العلاقات الثنائية. وقد طالبت باكستان مراراً حركة طالبان الأفغانية بضبط وجود حركة “تحرك طالبان باكستان” داخل أفغانستان، لكن طالبان رفضت تحمل المسؤولية المباشرة، معتبرة أن هذه الحركة تمثل مشكلة داخلية تخص باكستان.
وأشار الخبير إلى أن الروابط التاريخية بين “تحريك طالبان باكستان” وطالبان، التي استضافت طالبان سابقاً خلال سقوط الحكومة الأفغانية السابقة، قد انقلبت اليوم؛ إذ باتت “تحريك طالبان باكستان” تتوقع دعماً متبادلاً من طالبان لتحقيق أهدافها داخل باكستان. هذه الديناميكية لم تؤدي فقط الى توتر في العلاقات بين الطرفين، بل أدت أيضاً إلى ترحيل واسع النطاق للاجئين الأفغان كرد فعل على الخلاف القائم.
ويرى شفيعي أن استئناف العلاقات قد يكون نتيجة لتسوية هشة بشأن كيفية التعامل مع تحريك طالبان باكستان، غير أنّ الرؤية الأيديولوجية لطالبان وروابطها التاريخية العميقة مع تحريك طالبان باكستان قد تُعرّض هذا الاتفاق للخطر، خاصة إن واصلت طالبان تقديم دعم ضمني لها أو فشلت في كبح أنشطتها. ويُحذر شفيعي من أن هذه المصالحة، ما لم تُترجم إلى إجراءات عملية للقضاء على تهديد تحريك طالبان باكستان، قد تتلاشى سريعاً وتُعيد التوتر من جديد.
الدوافع الاقتصادية: تقارب في ظل الممرات التجارية؟
وفي إشارة الى أولويات باكستان الاقتصادية، يرى شفيعي أن الدوافع المالية تشكل محركاً رئيسياً لهذا التحول الدبلوماسي. ويعتقد هذا المحلل لقضايا شبه القارة الهندية، إن وثائق الأمن القومي الباكستاني وضعت التركيز على الاقتصاد والترابط الإقليمي في صدارة أولوياتها، ومن أجل تحقيق التواصل مع أسواق آسيا الوسطى وإيران ودول الخليج الفارسي من خلال شبكات النقل الجوي والبحري والسكك الحديدية، فإن إسلام آباد مضطرة لحل خلافاتها مع أفغانستان. كما أن طالبان، التي تعتبر الاستقرار الاقتصادي ورقة رابحة لها، تحتاج إلى هذا الترابط لاستمرار النمو وجذب الاستثمارات الأجنبية.
ويشير الخبير إلى أن الاتفاق الأخير بشأن توسيع الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC) ليشمل أفغانستان ويعتبره علامة على التقارب الاقتصادي بين الطرفين. كما أوضح: أن التوترات السابقة كانت قد أعاقت عمل الممرات التجارية مثل طريق ميناء كراتشي إلى قندهار وجلال آباد، وهو ما أضر بالطرفين ودفعهما لإصلاح علاقاتهما.
ويعتقد هذا المحلل أن التنافس بين ميناء غوادر الباكستاني وميناء تشابهار الإيراني قد منح إسلام آباد دافعاً إضافياً لتعزيز علاقاتها مع كابول من أجل ترسيخ مكانتها في المعادلات الاقتصادية الإقليمية.
كما يرى شفيعي أن الاجتماع الثلاثي في بكين، الذي شدد على أهمية التعاون الاقتصادي وربط أفغانستان بمبادرة “الحزام والطريق”، قد مهّد الأرضية لهذا التقارب. إلا أنه يعتقد أن نجاح هذا التعاون يتوقف على قدرة الطرفين على التغلب على التحديات اللوجستية والسياسية، ومن أبرزها العقوبات الدولية المفروضة على طالبان.
الجيوسياسية الإقليمية: التنافس الهندي وتهديد تقارب طالبان؟
وبنظرة حذرة على الديناميكيات الجيوسياسية، قَيّم الخبير البارز في قضايا شبه القارة الهندية استئناف العلاقات بين باكستان وأفغانستان بأنه “هش”. وأشار إلى التقارب المتزايد لطالبان نحو الهند، العدو التقليدي لباكستان، مؤكداً أن هذا التقارب، قد دفع إسلام آباد إلى إعادة تقييم سياساتها.
وتابع القول: باكستان التي كانت في السابق الداعم الرئيسي لطالبان، تشعر بالقلق من احتمال أن تتحول كابول إلى شريك استراتيجي لنيودلهي، خاصة مع تنامي العلاقات الاقتصادية بين طالبان والهند.
واعتبر هذا الخبير أن التنافس بين ميناء غوادر الباكستاني والموانئ المجاورة، يزيد من حدة هذه المخاوف، إذ إن تعزيز مواقع هذه الموانئ المنافسة لميناء غوادر قد يضعف من النفوذ الاقتصادي الباكستاني.
ويؤكد شفيعي أن بوادر تحسن العلاقات الباكستانية الأفغانية سبقت التصعيد الأخير بين الهند وباكستان، لكن القلق من أن تتحول طالبان إلى حليف للهند دفع باكستان للإسراع في ترميم علاقاتها مع كابول.
وأضاف: أن هذه الديناميكية الجيوسياسية، رغم أنها تمهد للمصالحة الحالية، إلا أن التنافس الإقليمي وتأثير القوى الخارجية، يُعرّض العلاقات بين البلدين لمخاطر عدم الاستقرار. لذا يحذر الخبير من أن تقارب طالبان مع الهند، إن لم يأخذ في الحسبان حساسيات باكستان، قد يؤدي إلى ردود فعل متبادلة من طرف إسلام آباد تُضعف المساعي الدبلوماسية الحالية.
آفاق العلاقات؛ استقرار أم هشاشة؟
وفي تحليله لآفاق العلاقات الباكستانية الأفغانية، يشير الخبير البارز في قضايا شبه القارة الهندية إلى وجود ثلاث اتجاهات متوازية في جنوب آسيا: الصراعات الجيوسياسية، النزعة الاقتصادية، والتحديات الأمنية الداخلية. ويضيف قائلاً: إن التوترات بين الهند وباكستان، والصدامات السابقة مع طالبان، والأزمات الأمنية الداخلية مثل نشاط “تحريك طالبان باكستان” في باكستان وحركات المقاومة في أفغانستان، عوامل جعلت المنطقة في وضع معقد. ويعتقد شفيعي إن دول المنطقة تميل نحو التركيز على الاقتصاد وتخفيف التوتر، لكن تفوق أي من هذه الاتجاهات يعتمد على الظروف وقدرة الأطراف الفاعلة.
ويؤكد شفيعي أن هذه التجربة الراهنة قد تسهم في إرساء الاستقرار إذا تمكنت باكستان وطالبان من إدارة التحديات الأمنية، وعلى رأسها خطر “تحريك طالبان باكستان”، بشكل مشترك. ومع ذلك، يعتقد هذا المحلل لقضايا شبه القارة الهندية أن النظرة الأيديولوجية لطالبان وعلاقاتها التاريخية مع “تحريك طالبان باكستان”، إلى جانب المنافسات الجيوسياسية مع الهند، تبقي هذه العلاقات هشة. لذلك، يشير إلى أنه بدون إدارة ذكية لهذه الديناميكيات، ستظل المنطقة عرضة للتوترات الدورية.
ويعتقد شفيعي: إن تعزيز التعاون الثلاثي مع الصين، واستثمار القدرات الاقتصادية التي يتيحها الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC) ، وإنشاء آليات إقليمية لبناء الثقة، والاستفادة من طاقات الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشكل مثالي ومناسب لدعم الأمن والاقتصاد الإقليمي، يمكن أن يُسهم في ترسيخ هذه العلاقات. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الجهود يعتمد على الإرادة السياسية والتنسيق بين الفاعلين الإقليميين.
0 Comments