جدیدترین مطالب
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
أحدث المقالات
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
سياسة فرنسا المتوسطية في المنافسة الجيوسياسية مع تركيا

الدكتورة مريم وريج كاظمي ـ باحثة في الشؤون الجيوسياسية
تمنح السياسة الفرنسية في البحر المتوسط، التي تستند إلى استمرار الإرث الاستعماري للبلاد، باريس فرصة توسيع نفوذها السياسي من الناحيتين الجيوستراتيجية والجيوسياسية في أراضي الإمبراطورية العثمانية في غرب آسيا وشرق المتوسط. إن سعي فرنسا للحفاظ على نفوذها السياسي في هذه المناطق يشكل تحدياً واضحاً للسياسة الخارجية التركية، والعكس صحيح أيضاً، فوجود تركيا في المنطقة يمكن أن يضع السياسة الفرنسية في موقف تحدي. على سبيل المثال، اعتُبرت اتفاقية ليبيا وتركيا في عام 2019 بشأن الحدود البحرية، بهدف إنشاء منطقة اقتصادية حصرية في البحر المتوسط، من قبل فرنسا تهديداً حقيقياً للاتحاد الأوروبي.
في هذا الإطار، روّج قادة فرنسا لسياسة مناهضة لتركيا على المستويين الوطني والأوروبي والدولي، بهدف تعبئة الرأي العام ضد أنقرة، مع التركيز على دعم مواقف الدول الأوروبية، خاصة اليونان وقبرص. في ظل هذه الظروف، تصر استراتيجية فرنسا في المنطقة على أن يتبنى الاتحاد الأوروبي، من خلال الدعم السياسي والدبلوماسي لليونان وقبرص، نهجاً إقصائياً تجاه تركيا، رغم أن غالبية دول الاتحاد الأوروبي فضلت لأسباب استراتيجية معينة عدم إغلاق قنوات الحوار مع أنقرة.
ومع ذلك، تركز فرنسا والسياسيون الفرنسيون على خصائص تركيا الإسلامية والمعادية لأوروبا كجزء من استراتيجية جيوسياسية أوسع تهدف إلى تقييم تركيا كتهديد خارجي للسياسة الخارجية الفرنسية. وحاول السياسيون الفرنسيون صياغة هذه السياسة استناداً إلى عناصر تاريخية تشبه إلى حد كبير نظرية صدام الحضارات لهنتنغتون، المبنية على التباينات الثقافية والتاريخية بين الغرب والشرق. وفي هذا السياق، يمزجون الخطاب المناهض للإسلام ولتركيا معاً لتحفيز الرأي العام في أوروبا وفرنسا ضد أنقرة، وإقناع ناخبيهم بأن السياسة الخارجية العدوانية لتركيا في شرق المتوسط تشكل تهديداً لأمن فرنسا والاتحاد الأوروبي، حتى لو لم تكن لفرنسا ولا للعديد من دول الاتحاد الأوروبي حدود بحرية في شرق البحر المتوسط.
من منظور جيوسياسي، قد ترى فرنسا أن الجيران الجنوبيين لليبيا، مثل تشاد والنيجر ومالي والسودان، وربما تونس والجزائر، يمكن أن يصبحوا مناطق نفوذ محتملة لتركيا، مما قد يعني أن التأثير الذي تمارسه فرنسا على هذه الدول سيكون في خطر. بمعنى آخر، قد يؤدي تعزيز النفوذ التركي في المنطقة إلى إعادة تشكيل توازن القوى في شمال ووسط إفريقيا، بما يضر بفرنسا التي تسعى لممارسة سياسة قيادة في البحر المتوسط. كل هذه المقاربات دفعت حكومة الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون إلى الدفاع عن دور فرنسا كـشرطي المتوسط لإعادة ضبط سياستها الخارجية تجاه تركيا، مع إبراز سياستها المتوسطية التي تهدف أساساً إلى استبعاد تركيا من المنطقة لتعزيز نفوذ فرنسا مجدداً في الشرق الأوسط وشرق المتوسط ضمن الاعتبارات الجيوستراتيجية.
وبذلك، زاد إيمانويل ماكرون من حصة بلاده في شرق المتوسط، وما يعرف في الخطاب الفرنسي بـالشرق الأدنى الكبير. ومن خلال سلسلة من الخطابات وتقديم خطط سياسية، يسعى ماكرون إلى تطوير رؤية للمنطقة تستند جزئياً إلى الحقائق الجيوسياسية الناشئة، بما في ذلك انسحاب تركيا من الناتو، تراجع القوة الأمريكية في المنطقة، وقضايا مرتبطة بالطاقة، مع بناء خطاب يقوم على مفهوم التعايش الفرنسي.
ويبدو أن تبني هذه الاستراتيجيات من قبل فرنسا قد يغير البيئة الجيوستراتيجية، ويؤدي الخوف من فقدان مناطق النفوذ إلى سلسلة من الإجراءات الاستفزازية التي تضع الاتحاد الأوروبي أمام تحديات جوهرية. ورغم أن تركيا تمارس حالياً سياساتها كقوة إقليمية في غرب آسيا وإفريقيا والبحر المتوسط، مما يثير القلق لدى فرنسا التي تدعي قيادة هذه المناطق، فإن باريس مضطرة للاعتراف بأن أنقرة، كشريك استراتيجي في الناتو والولايات المتحدة الأمريكية، تقع في قلب القضايا الجيوستراتيجية والجيوسياسية والجيواقتصادية في منطقة المتوسط، ولا يمكن تجاهلها أو استبعادها من معادلات منطقة اليورو ـ متوسطية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المكاسب الجيوسياسية التي تسعى تركيا لتحقيقها لإعادة التوازن في البحر المتوسط، بدءاً من سوريا، وستخلق منعطفاً يتماشى مع مصالح الكيان الإسرائيلي خاصة الاقتصادية، تضع فرنسا عملياً في موقف حرج ومعقد قد يضعف قدرتها على أن تصبح اللاعب المهيمن في منطقة المتوسط، بينما يحول تركيا إلى شريك استراتيجي للقوى الإقليمية والدولية للتوصل إلى اتفاقيات فعّالة في المنطقة.
0 Comments