المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ حوار: قال محلل بارز في الشؤون المصرية: إن مصر، التي كانت أول دولة عربية توقع اتفاق سلام مع الكيان الصهيوني سنة 1979، تبنّت اليوم استراتيجية جديدة جراء هواجس من السياسات التوسعية لهذا الكيان. فقد أظهرت التطورات التي أعقبت حرب غزة 2023 أن تل أبيب، وبدعم غير مشروط من الولايات المتحدة، تسعى إلى تغيير موازين القوى في غرب آسيا، وهو ما دفع القاهرة إلى توسيع علاقاتها مع إيران وتركيا باعتبارهما قوتين إقليميتين أساسيتين. ومن خلال المناورات المشتركة مع تركيا، والوساطة في الملف النووي الإيراني، والسعي إلى التعاون العسكري والتكنولوجي، تحاول مصر التصدي لنزعة الهيمنة الصهيونية في المنطقة. ورغم أن تشكيل تحالف عسكري ثلاثي يبدو مستبعداً حالياً، إلا أن تقارب القاهرة مع طهران وأنقرة يُعد تهديداً محتملاً للكيان الإسرائيلي. في الواقع، تسعى مصر، تحت وطأة الضغوط الإقليمية والأزمات الحدودية، إلى إرساء توازن استراتيجي يحد من نفوذ تل أبيب ويعزز مكانتها في معادلات غرب آسيا.
صرّح عبدالأمير نبوي في حواره مع الموقع الالكتروني للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية: إن الدافع الرئيسي وراء إعادة تعريف الاستراتيجية المصرية في المنطقة هو “مواجهة توسع الكيان الإسرائيلي”. وأوضح هذا الأستاذ الجامعي، وهو يستعرض مجمل التطورات: “إن وتيرة وعمق التغيرات الجيوسياسية في غرب آسيا، وخاصة بعد الاعتداءات المتكررة من قبل الكيان الإسرائيلي على سوريا ولبنان… وكذلك الهجوم على إيران وقطر، دفعت بقية الدول إلى تنويع شراكاتها وتوسيع علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية، بحثاً عن مرجعيات جديدة للأمن والاطمئنان من أجل إدارة الأزمات”. وأضاف: “لقد سعت القاهرة خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز علاقاتها، إلى جانب أوروبا والولايات المتحدة، مع لاعبين مهمين مثل الصين وروسيا وتركيا وقطر، وذلك لإعادة بناء مجال حركتها وأدوات ضغطها في المعادلات الإقليمية”.
وقال المحلل البارز في الشؤون المصرية أن “العامل المحوري لهواجس القاهرة هو تصاعد العمليات العدوانية للكيان الإسرائيلي بعد حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ عمليات امتدت آثارها إلى ما وراء الحدود الفلسطينية، وكان أخطر ما فيها هو الدعم أو الاصطفاف العلني أو الضمني للقوى الخارجية الكبرى مع هذا الكيان. هذه النزعات، خاصة حين تتقاطع مع حالة عدم اليقين في مؤشرات الأمن والاستقرار، دفعت القاهرة إلى إعادة النظر بسرعة في سياساتها الخارجية”.
وأشار الخبير البارز في شؤون غرب آسيا إلى التحديات الداخلية والإقليمية المتداخلة التي تواجه مصر، موضحاً: “النزاعات على الحدود الشرقية لمصر وأزمة غزة، حالة عدم الاستقرار المستمرة في ليبيا غرباً، الحرب الأهلية في السودان جنوباً، والخلاف المائي مع إثيوبيا حول موارد النيل؛ كلها عوامل دفعت القاهرة نحو تنويع علاقاتها”. ويرى أن “مجموع هذه المخاطر جعل مصر من منظور الأمن القومي عرضة لضغوط سياسية واقتصادية وإنسانية، ما ضاعف الحاجة إلى توسيع قاعدة شركائها الاستراتيجيين”.
وأضاف الخبير: “في هذا الإطار، لا تسعى القاهرة إلى قطع علاقاتها مع تحالفاتها الاستراتيجية مع الغرب، ولا إلى التفريط في المكاسب الاقتصادية والسياسية لاتفاقيات عمرها أربعة عقود مثل اتفاقية كامب ديفيد من أجل إجراءات جديدة؛ بل تهدف إلى توظيف هذه العلاقات القانونية والمعرفية بذكاء لممارسة الضغط على مختلف الدول الإقليمية وإدارة التهديدات”. ومن هنا يشير نبوي إلى أن “مصر، في الوقت الذي تعزز فيه تعاونها مع قوى أخرى، تعمل أيضاً على إدارة علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن وتل أبيب”.
وفيما يتعلق بالعلاقات المصرية – التركية، أوضح هذا الأستاذ الجامعي أن “تحسن العلاقات بين البلدين ارتبط بشروط واضحة، أهمها ضبط النشاطات السياسية والإعلامية المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين المقيمة في تركيا والتي تراها القاهرة خطراً عليها”. وأضاف: “وقد تم تلبية هذه الشروط إلى حد ما، وهو ما أتاح إمكانية المضي قدماً في التعاون العسكري – الدفاعي وإجراء مناورات مشتركة، إلا أن نشوء “محور إقليمي مستقل” يقف صراحة في وجه القوى الغربية أو تل أبيب يبدو مستبعداً في المدى القريب”.
وحذّر المحلل البارز في الشؤون المصرية من أن “إحدى الهواجس الاستراتيجية لمصر هي احتمال تهجير سكان قطاع غزة قسراً إلى شبه جزيرة سيناء؛ وهو سيناريو ترى فيه القاهرة تداعيات أمنية وإنسانية واقتصادية طويلة الأمد، فضلاً عن أنه سيقلص من قدرتها على المناورة الدبلوماسية في الملف الفلسطيني”. ولفت إلى أن “أي استقرار دائم لسكان غزة في سيناء سيضع ضغوطاً إضافية على اقتصاد مصر الهش ويُعقّد إدارة الحدود، ولهذا يسعى المصريون عبر اتفاقيات جديدة وتوسيع علاقاتهم الخارجية إلى خلق توازن جديد في مواجهة الكيان الإسرائيلي”.
كما أشار الخبير في شؤون غرب آسيا إلى “اتفاقيات إقليمية جديدة أخرى مثل الاتفاق الدفاعي بين السعودية وباكستان، والذي قد يغير المعادلات الأمنية ضد الكيان الإسرائيلي”، مضيفاً أن “انضمام قوى جديدة إلى التحالفات الدفاعية، مع ما تملكه من قدرات عسكرية حديثة، يضيف متغيرات جديدة إلى معادلات القوة، ما يستوجب من مصر مراقبتها بدقة واستشراف انعكاساتها على مصالحها الوطنية”.
ويرسم نبوي “الموقف الاستراتيجي الذي اختارته القاهرة” على النحو الآتي: “مصر تبنّت خيار تنويع علاقاتها كي تكون في مأمن من الضغوط الأحادية والتغيرات المفاجئة في البيئة الأمنية الإقليمية، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على العلاقة الاستراتيجية مع الغرب وما توفره من أطر قانونية دولية باعتبارها أدوات بقاء، وتستفيد منها لإدارة التوترات وكبح التوسع والهيمنة المنفلتة للكيان الإسرائيلي”.
0 Comments