المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ حوار: تحولت الحرب الأوكرانية إلى نقطة تحوّل جديدة في العلاقات السياسية والأمنية، بل وحتى التجارية، بين حلفاء ضفتي الأطلسي. فبينما تقترب هذه الحرب من عامها الرابع، لا تزال تثير أسئلة كثيرة بشأن مستقبلها وتداعياتها؛ من بينها ما إذا كان استمرار حرب أوكرانيا سيقود إلى انهيار وهم الأمن الأوروبي.
قال مرتضى مكي، الخبير في الشؤون الأوروبية، في حوار مع الموقع الالكتروني للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية: “تعود جذور التحول في العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية بين الولايات المتحدة وأوروبا إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. فقد سعت واشنطن، عبر خطة مارشال ومساعدة الدول الأوروبية، بما فيها دول أوروبا الشرقية، إلى الحد من مجال نفوذ وهيمنة الاتحاد السوفيتي في أوروبا”.
وأضاف: “حاولت الولايات المتحدة، من خلال اتفاقيات مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أن تُنشئ عملياً نوعاً من الترابط والتضامن غير المسبوقين والقريبين جداً مع دول أوروبا الغربية. وعلى الرغم من أن هذه العلاقات شهدت تقلبات خلال ما يقرب من ثمانية عقود بعد الحرب العالمية الثانية، فإن أي حدث لم يتمكن، بقدر الحرب الأوكرانية، من جعل العلاقات السياسية والأمنية بين أوروبا والولايات المتحدة بهذا القدر من الهشاشة”.
ويرى مكي أن طرح شعار “أمريكا أولاً” من قبل دونالد ترامب أحدث عملياً تغييرات جدية في العلاقات بين بروكسل وواشنطن.
وقال: “يشدد هذا الشعار على أن على الدول الأوروبية أن تتحمل بنفسها تكاليف أمنها، بحيث تخصص كل دولة 5 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي للميزانيات الدفاعية. وقد وضع هذا الوضع الحكومات الأوروبية تحت ضغوط كبيرة”.
وتابع هذا الخبير في الشؤون الأوروبية أن أيّاً من هذه الضغوط لم يؤثر في أسس العلاقات الأمريكية ـ الأوروبية بقدر ما فعلته السياسة التي انتهجتها الولايات المتحدة تجاه الحرب الأوكرانية. فالنهج الأحادي الأمريكي وطرح خطة السلام المؤلفة من 28 بنداً للحرب الأوكرانية، والتي تقوم على مبدأ “السلام مقابل الأرض”، أدّيا عملياً إلى تزعزع أسس العلاقات السياسية والأمنية بين الولايات المتحدة وأوروبا.
وبحسب مكي، فإن الولايات المتحدة لم تكن مستعدة حتى لتقديم ضمانات أمنية مستدامة لأوكرانيا في إطار مقترحها. فقد ألزمت واشنطن الدول الأوروبية بأنه، في حال قبول أوكرانيا بخطة السلام التي طرحها ترامب، يمكن لهذا البلد الاستفادة من ميزة العضوية في الاتحاد الأوروبي ومن الاتفاقيات الأمنية الثنائية بين أوروبا والولايات المتحدة؛ وهي اتفاقيات يُقال إنها ستكون شبيهة بالمادة الخامسة من ميثاق الناتو في مجال الدفاع الجماعي.
وأضاف: “لكن لا يبدو أن هذه الضمانات ستكون على نحو يُلزم أوروبا بشكل جدي بأمن أوكرانيا، لأن كل واحدة من هذه الدول قلقة من توتر العلاقات مع روسيا، وتسعى إلى نوع من تنظيم العلاقات معها بطريقة لا تؤدي، كما في السابق، إلى انعدام الثقة والتوتر على حدود روسيا مع أوروبا”.
وتابع مكي: “إن المنطق والأسلوب اللذين اتبعهما ترامب لدفع أهداف الولايات المتحدة في العالم قد زعزعا أسس القانون الدولي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية. كما أن النهج الأمريكي تجاه الاعتداءات العسكرية للكيان الإسرائيلي في قطاع غزة، والحرب التي استمرت 12 يوماً ضد إيران، وقضية أوكرانيا، جميعها جاءت خارج القواعد القانونية التي أُقرت بعد الحرب العالمية الثانية”.
وأضاف: “من المؤكد أن هذا النوع من سلوك رئيس الولايات المتحدة يمنح شرعية لعمل روسيا في الهجوم على أوكرانيا، بل وقد يمهد حتى لأزمة جديدة في تايوان”.
وأشار هذا الخبير في الشؤون الأوروبية إلى أن الولايات المتحدة كانت، بعد الحرب العالمية الثانية، أحد مؤسسي القواعد القانونية وبنية النظام الدولي القائم، وقال: “اليوم، تسهم الولايات المتحدة عملياً في تعميق حالة الفوضى في العالم، وهذه التصرفات والسياسات التي ينتهجها ترامب، تحت شعار أمريكا أولاً الذي يدّعي الدفاع عن النظام القائم، تنطوي على تناقض، كما أن سياسات رئيس الولايات المتحدة أدت عملياً إلى زيادة هشاشة بنية النظام القائم”.
وبحسب مكي، فإن هذا النوع من سياسات ترامب سيحمل بلا شك، في السنوات المقبلة، تبعات سياسية وأمنية واقتصادية خطيرة.
وأضاف: “إن الهجوم الأمريكي على فنزويلا وخطف رئيس هذا البلد، وكذلك الادعاءات التي يطرحها ترامب بشأن ضم غرينلاند إلى الأراضي الأمريكية، كلها تشير إلى أن استمرار وتنفيذ السياسات الأمريكية ضمن هذا الإطار يمكن أن يقود إلى فوضى وأزمات متسلسلة في بؤر توتر أخرى حول العالم”.
وفي رده على سؤال حول أي استراتيجية في مجال العلاقات الخارجية يمكن أن تضمن أكبر قدر من المصالح لإيران في هذا المناخ المتوتر، قال مكي إن الوضع الراهن ينطوي في آن واحد على فرص ومخاطر، مضيفاً: “يمكن لإيران أن تنظر إلى هذه الضغوط على أنها فرصة لها، ومن خلال توسيع علاقاتها مع روسيا والصين ودول صديقة أخرى، أن تتحدى سياسات العقوبات الأوروبية والأمريكية، وأن توسع في الوقت نفسه علاقاتها السياسية والأمنية”.
0 Comments