جدیدترین مطالب
تحديات الاتحاد الأوروبي في بلورة سياسة أوروبية موحدة تجاه الصين
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: “إن الشكل الحالي للعلاقات التجارية والاستثمارية بين الاتحاد الأوروبي والصين غير قابل للاستمرار”. هذه العبارة التي وردت في ختام الاجتماع الاستراتيجي الأخير للمفوضية الأوروبية بشأن الصين، ربما تمثل أهم توصيف للتحول الذي تشهده العلاقات بين بروكسل وبكين خلال السنوات الأخيرة.
أحدث المقالات
تحديات الاتحاد الأوروبي في بلورة سياسة أوروبية موحدة تجاه الصين
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: “إن الشكل الحالي للعلاقات التجارية والاستثمارية بين الاتحاد الأوروبي والصين غير قابل للاستمرار”. هذه العبارة التي وردت في ختام الاجتماع الاستراتيجي الأخير للمفوضية الأوروبية بشأن الصين، ربما تمثل أهم توصيف للتحول الذي تشهده العلاقات بين بروكسل وبكين خلال السنوات الأخيرة.
منطقة تجارية تضم ملياري نسمة بين الهند وأوروبا؛ هل نحن أمام عملاق جديد قادم؟

فؤاد تقوي ـ خبير في الاقتصاد الدولي
يهدف الاتفاق التجاري الذي يتفاوض عليه الاتحاد الأوروبي والهند إلى إنشاء أكبر منطقة تجارة حرة في العالم من حيث عدد السكان. هذا الاتفاق، الذي قد يصل إلى مرحلة التوقيع خلال الأشهر المقبلة، ستكون له تداعيات جيوسياسية واقتصادية عميقة تتجاوز حدود الطرفين.
وبالنسبة لدول مثل بلدان أوراسيا، فإن فهم الأبعاد المختلفة لهذا التعاون الناشئ وصياغة استجابة استراتيجية مناسبة، يُعد ضرورة لا مفر منها. فالاتفاق لا يقتصر على زيادة تبادل السلع فحسب، بل يمثل إشارة واضحة إلى إعادة ترتيب النظام الاقتصادي العالمي وتشكّل تحالفات انتقائية قائمة على الثقة الاستراتيجية.
الأبعاد الاقتصادية لعملاق جديد في طور التشكّل
سيُوحّد هذا الاتفاق الشامل سوقاً يضم ما يقرب من ملياري مستهلك بإجمالي ناتج محلي ضخم. ويتمثل الهدف الأساسي في تعزيز التدفقات التجارية الثنائية بشكل كبير، والتي تتجاوز حالياً 120 مليار يورو سنوياً. كما خُطّط لتخفيض تدريجي وملموس للرسوم الجمركية في نطاق واسع من القطاعات.
يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تحسين وصول صادراته من صناعات السيارات والمنتجات الكيميائية والخدمات المتخصصة إلى السوق الهندية ذات السعة الكبيرة. وفي المقابل، ستحصل الهند على فرصة أسهل لتصدير منتجاتها الزراعية والمنسوجات والملابس وخدمات تكنولوجيا المعلومات إلى أحد أغنى أسواق العالم. هذا التبادل التكميلي يمكن أن يسرّع النمو الاقتصادي للطرفين.
ويشكّل التعاون الاستراتيجي في مجالات التقنيات الخضراء والاقتصاد الرقمي وبناء سلاسل توريد مرنة، الجزء الحيوي والحديث من هذه المعاهدة. وستكون الاستثمارات المشتركة في تطوير الطاقة المتجددة، والبنى التحتية الرقمية الآمنة، والتقنيات النظيفة، محور هذا التعاون.
كما يُعد نقل المعرفة التقنية وزيادة الاستثمارات الأوروبية المباشرة في قطاعي الصناعة والتكنولوجيا في الهند من المكوّنات المهمة الأخرى. هذه الأبعاد الشاملة ترفع الاتفاق من كونه معاهدة تجارية تقليدية إلى وثيقة للتقارب الاقتصادي طويل الأمد.
الدوافع الجيوسياسية: ردّ غربي على الاعتماد الاستراتيجي
لا يمكن النظر إلى هذا الاتفاق على أنه مجرد صفقة اقتصادية. ففي سياق التنافس الاستراتيجي المتصاعد بين الغرب والصين، تحوّل هذا الاتفاق إلى أداة أساسية لتقليص الاعتماد وخلق توازن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وقد أصبح الاتحاد الأوروبي، بعد الصدمات الناجمة عن جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا، أكثر وعياً بمخاطر الاعتماد المفرط لسلاسل توريده على دولة واحدة. وقد أثار هذا “الاعتماد الاستراتيجي” مخاوف عميقة، ولا سيما في القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات، والمعادن الحرجة، والأدوية الأساسية.
وتُعد الهند، بما تملكه من تعداد سكاني شاب، وقوى عاملة ماهرة، واقتصاد ديناميكي، ونظام سياسي قريب من الغرب، خياراً جذاباً لنقل جزء من سلاسل التوريد هذه. ويشكّل التعاون في المجالات الحساسة للغاية مثل تصميم وإنتاج الرقائق، واستخراج ومعالجة المعادن الأرضية النادرة اللازمة للتحول الطاقوي والرقمي، القلب الجيوستراتيجي لهذا الاتفاق.
وبهذه الخطوة، يكرّس الاتحاد الأوروبي الهند فعلياً كشريك موثوق ضمن مشروعه الطموح “البوابة العالمية الأوروبية” للاستثمار في البنى التحتية المرنة والمستدامة حول العالم. كما تُدرج هذه الخطوة الهند ضمن شبكة من أوجه التعاون التكنولوجي الغربي، وتحدّ من تعميق العلاقات التكنولوجية بين نيودلهي وبكين.
تداعيات مزدوجة؛ من التهميش إلى صناعة الفرص
إن تشكّل هذا المحور الاقتصادي القوي قد يحمل تداعيات معقّدة ومزدوجة لعدد من الدول الآسيوية. فمن جهة، يمكن تصوّر مجموعة من التحديات والتهديدات غير المباشرة. فتعزيز الممرات التجارية المباشرة بين أوروبا والهند عبر طرق بحرية أخرى أو ممرات برية بديلة، مثل ممر النقل الدولي شمال – جنوب (INSTC) الذي لا يمر عبر الأراضي الإيرانية، قد يؤدي تدريجياً إلى تراجع جاذبية ودور إيران الترانزيتي المحتمل. وقد يضعف هذا الانحراف في حركة التجارة الفرص الإيرانية للإيرادات ويقلّص نفوذها الجيوسياسي.
كذلك، فإن استقطاب حجم ضخم من الاستثمارات والاهتمام الاقتصادي الأوروبي نحو السوق الهندية الكبيرة وسريعة النمو، قد يؤدي بطبيعة الحال إلى تراجع حصة وجهات أخرى، بما فيها غرب آسيا، في سلة الاستثمارات الخارجية الأوروبية. وقد يصبح هذا “الأثر الانحرافي” ملموساً على المدى الطويل. إضافة إلى ذلك، إذا تعزّزت مكانة الهند كقطب إنتاجي منافس في بعض الصناعات المشابهة في المنطقة، مثل البتروكيماويات أو الصلب، فإن المنافسة في الأسواق التصديرية التقليدية ستشتد.
ومن جهة أخرى، فإن تجاهل الفرص المحتملة لهذا التحول بشكل كامل ليس خياراً حكيماً. فعلى سبيل المثال، يمكن لإيران، بالذكاء والدبلوماسية الاقتصادية النشطة، أن تسعى إلى الارتباط بالحلقات الوسيطة لسلاسل القيمة الجديدة هذه. فتصدير بعض المعادن الخاصة أو منتجات بتروكيماوية ذات قيمة مضافة متوسطة إلى الهند، لاستخدامها في الإنتاج النهائي الموجّه للتصدير إلى أوروبا، قد يشكّل فرصة واقعية.
كما يمكن دراسة تطوير “تعاون ثلاثي” في مجالات الطاقة الخضراء، والتقنيات الزراعية، أو السياحة العلاجية. ويكمن مفتاح الاستفادة من هذه الفرص في تحديد المزايا النسبية التكاملية لإيران مقارنة بالاقتصاد الهندي، وتقديم مقترحات واضحة ومحددة.
تميّز جوهري عن نموذج الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي
قد يفسّر بعض المحللين هذا الاتفاق على أنه ردّ غربي على مفاهيم مثل “الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي”. غير أن التحليل الأعمق يكشف عن تميّز جوهري لهذا الاتفاق. فاستراتيجية أوروبا والهند هي في جوهرها مشروع اندماجي وبنّاء للعلاقات. والهدف ليس قطع الصلات مع العالم، بل إنشاء اعتمادات متبادلة جديدة، آمنة وقابلة للإدارة، ضمن إطار من القيم والمصالح الاستراتيجية المشتركة. هذا النموذج يسعى إلى تنويع الشركاء وتقليص تركّز المخاطر، لا إلى قطع الاعتماد.
ويمكن لهذه المعاهدة أن تمثل عودة أوروبا إلى تعددية أطراف انتقائية وقائمة على الائتلافات. ففي هذا النموذج الجديد، تشكّل الدول كتل اقتصادية أكثر مرونة على أساس التقاطعات السياسية والأمنية. وفي هذا الإطار، غالباً ما تحظى الاعتبارات الاستراتيجية وتقليص المخاطر الجيوسياسية بالأولوية على المصالح الاقتصادية الصِرفة.
وهذا التطور، أكثر من كونه مؤشراً على عودة إلى سياسات انعزالية، يعكس تحوّلاً جذرياً في مفهوم العولمة؛ إذ يُعاد تعريف العولمة ليس على أساس أيديولوجية السوق الحرة، بل على قاعدة الثقة الاستراتيجية والتوافق الأمني.
0 Comments