جدیدترین مطالب
تحديات الاتحاد الأوروبي في بلورة سياسة أوروبية موحدة تجاه الصين
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: “إن الشكل الحالي للعلاقات التجارية والاستثمارية بين الاتحاد الأوروبي والصين غير قابل للاستمرار”. هذه العبارة التي وردت في ختام الاجتماع الاستراتيجي الأخير للمفوضية الأوروبية بشأن الصين، ربما تمثل أهم توصيف للتحول الذي تشهده العلاقات بين بروكسل وبكين خلال السنوات الأخيرة.
أحدث المقالات
تحديات الاتحاد الأوروبي في بلورة سياسة أوروبية موحدة تجاه الصين
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: “إن الشكل الحالي للعلاقات التجارية والاستثمارية بين الاتحاد الأوروبي والصين غير قابل للاستمرار”. هذه العبارة التي وردت في ختام الاجتماع الاستراتيجي الأخير للمفوضية الأوروبية بشأن الصين، ربما تمثل أهم توصيف للتحول الذي تشهده العلاقات بين بروكسل وبكين خلال السنوات الأخيرة.
مقترح الرئيس الصيني ذو النقاط الأربع لغرب آسيا والخليج الفارسي

حامد وفائي – أستاذ الدراسات الصينية بجامعة طهران
يجب وصف هذا المقترح، الذي قُدم بالتزامن مع العدوان الأخير للولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي على إيران والتوترات الأخيرة في مضيق هرمز، بأنه أحدث إطار معلن لبكين للاضطلاع بدور في هذه البيئة الحساسة والهشة والمعقدة.
وبناءً على المواقف الأخيرة لرئيس جمهورية الصين، فإن الركائز الأربع الرئيسية لهذا المقترح هي كما يلي:
1- الالتزام بمبدأ التعايش السلمي وضرورة بناء “هندسة أمنية مشتركة وشاملة وتشاركية ومستدامة” لغرب آسيا ومنطقة الخليج الفارسي.
2- الالتزام بمبدأ السيادة الوطنية مع الاحترام الكامل لسيادة وأمن وسلامة أراضي دول المنطقة، وحماية سلامة الأفراد والمنشآت والمؤسسات المدنية لجميع الدول.
3- الالتزام بمبدأ سيادة القوانين الدولية بهدف الحفاظ على سلطة القانون الدولي من أجل منع عودة العالم إلى “قانون الغاب” و
4- تنسيق مسألتي “التنمية والأمن” بهدف إيجاد بيئة مواتية لتنمية دول المنطقة وربط مفهومي الأمن والتنمية.
يمكن وصف هذا المقترح بأنه جزء مهم من استراتيجية “الدبلوماسية ومبادرة الأمن العالمي” للصين في عصر تعددية أقطاب النظام الدولي، والتي تشمل أبعادها الرئيسية معارضة الهيمنة والأحادية؛ وهو ما تشير إليه الركيزة الثالثة، من خلال إشارة صريحة إلى عبارة “قانون الغاب”، في إشارة مباشرة إلى السياسات الحالية للولايات المتحدة، بما في ذلك الحصار البحري لموانئ إيران، والهجمات المشتركة مع الكيان الإسرائيلي، والانتهاكات المتكررة لوقف إطلاق النار من قبل واشنطن وتل أبيب.
تعتقد بكين أن الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، أعاد العالم من خلال القوة والعقوبات إلى عصر “الغاب”؛ في حين تقترح الصين على العالم “الطريق السلمي للتنمية”. وتُعد هذه المفاهيم من بين الكلمات المفتاحية المعروفة بـ”الخصائص الصينية” في دبلوماسية شي أو “شيبلومسية”، التي تكتسب معناها إلى جانب مبادئ مثل عدم التدخل، والتوجه التنموي، ومعارضة الأحادية.
في الواقع، يقدم الرئيس الصيني من خلال هذه اللغة بلاده بوصفها “فاعل كبير مسؤول” ومدافعاً عن “التعددية” في النظام الدولي المضطرب، ويعلن ضمنياً أن النظام الليبرالي الغربي القائم على الولايات المتحدة قد فشل. ومن الضروري التذكير بأن هذه هي اللغة نفسها التي استخدمتها بكين خلال الحرب الأوكرانية وأزمة غزة.
ويتمثل بُعد آخر لهذا المقترح في بُعده الأمني وطرح هندسة جديدة في هذا المجال، والذي ورد في الركيزة الأولى من خلال طرح مبادئ يمكن وصفها بأنها تكرار لأجزاء من “مبادرة الأمن العالمي” لشي جين بينغ. وفي هذا السياق، تركز الصين، بدلاً من التحالفات العسكرية والأطر مثل حلف الناتو أو محور “الولايات المتحدة – إسرائيل – العرب”، على هندسة “مشتركة وشاملة وتشاركية ومستدامة” في المنطقة. والنقطة المهمة هي أن هذه الهندسة “غير أمريكية”. وهذا الإطار هو المفهوم نفسه الذي عرضته الصين في عام 2023 من خلال وساطتها بين طهران والرياض.
ويتمثل بُعد آخر لهذا المقترح في بُعد السيادة ومبدأ عدم التدخل، الذي يتناول في الركيزة الثانية إعادة طرح الموقف الكلاسيكي للصين في مواجهة النهج الأمريكي في عهد ترامب في قضايا مثل “تغيير النظام” أو “الحصار”. وهذه الركيزة من مقترح الرئيس الصيني تدافع مباشرة عن حق إيران في الدفاع عن سلامة أراضيها وممراتها المائية، بما في ذلك مضيق هرمز، ويُصوّر الحصار الأمريكي كإجراء غير قانوني. ومع ذلك، ينبغي الأخذ في الاعتبار أن تأكيد الصين على سلامة الأراضي والسيادة الوطنية يأخذ أيضاً في الحسبان تحفظاتها بشأن الإجراءات المحتملة من قبل طهران رداً على اعتداءات العدو من أراضي هذه الدول.
ويتمثل بُعد آخر لهذا المقترح في بُعده الاقتصادي – التنموي، الذي يمكن تفسيره بوصفه أحد المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية للصين وقلب الدبلوماسية الصينية النابض (شيبلومسية). وينبغي البحث عن المفاهيم التي يقصدها شي جين بينغ في هذا البند ضمن محتوى “مبادرة التنمية العالمية” الخاصة به. وهي مبادرة تؤكد، من خلال التشديد على “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد”، أن الصين لم تعد “قوة ناشئة”، بل تسعى، بوصفها “قوة كبرى مسؤولة”، إلى تحقيق الاستقرار من خلال الاقتصاد والدبلوماسية دون نشر قوات أو إرسال أسلحة.
وبشكل عام، يمكن وصف هذا المقترح ليس باعتباره اقتراحاً تكتيكياً مؤقتاً، بل كإطار استراتيجي طويل الأمد لـ”غرب آسيا ما بعد الولايات المتحدة”. ويمكن القول إن شي جين بينغ يسعى من خلال هذه المبادرة إلى تقديم الصين بوصفها “قوة كبرى محايدة خارج الإقليم”، أو بعبارة أخرى “ثقل التوازن”، تربطها علاقات استراتيجية مع إيران، وشراكة شاملة مع الدول العربية المطلة على الخليج الفارسي، وعلاقات اقتصادية مع الكيان الإسرائيلي.
وفي هذا السياق، أتاحت ورقة مضيق هرمز هذه الفرصة الذهبية لطهران لرفع مستوى علاقاتها مع الصين كقوة عالمية من الإطار التقليدي والمعتاد للعقد الماضي إلى مستوى “ثقل التوازن”، مع الالتزام بالمصالح الوطنية والمبادئ الثلاثة المتمثلة في العزة والحكمة والمصلحة.
وفي ضوء مقترح شي جين بينغ ذو الركائز الأربعة ، يمكن زيادة قدرة الصين على الاضطلاع بدور في هذه الأزمة، إلا أنه ينبغي تقييمها على المدى المتوسط بأنها تقتصر على الأدوات الناعمة والاقتصادية. وفي الوقت نفسه، وبالنظر إلى واقع صنع السياسات في الصين تحت قيادة شي جين بينغ، من الضروري إدراك أن الوساطة المحتملة لبكين في هذه الأزمة ستكون في الغالب “مُيسِّرة” وليست “ضامِنة”، وذلك في ضوء أهداف وأطر الحزب الشيوعي الصيني؛ وهو ما يعود بوضوح إلى “الواقعية الصينية” ومبدأ “الصداقة دون تحالف”.
وفي النهاية، يمكن وصف هذا المقترح بأنه مؤشر على مستوى جديد من الجهود التي يبذلها قطب كبير صاعد في النظام الدولي للاستفادة من البيئة القائمة من أجل الانتقال الحاسم لغرب آسيا من “النظام الأمريكي” إلى “نظام متعدد الأقطاب”، يمكن أن تتمتع فيه الصين بمركزية غير مسبوقة.
ويعتمد تحقق هذا النظام الجديد، في المقام الأول، على قبول الفاعلين الإقليميين، وفي المرحلة التالية يتطلب انتقال بكين من مرحلة الحذر إلى مجالات جديدة. ويمكن أن يؤدي القبول الذكي لهذا الفضاء بالنسبة لإيران، بالإضافة إلى رفع مستوى التفاعلات بين طهران وبكين، إلى تسهيل إعادة الإعمار الاقتصادي للبلاد بعد الحرب وتقليل نسبي للتهديدات الوجودية القائمة؛ غير أن النجاح النهائي لمثل هذا النظام يعتمد بطبيعة الحال على ما إذا كانت طهران وبكين قادرتين على تحويل هذا الإطار إلى “صفقة كبرى” أم لا.
وعليه، يمكن اعتبار مقترح شي نوعاً من تجليات “دبلوماسية الصبر الصينية” في أزمة مضيق هرمز، ذات الجذور الصينية الخالصة، بما في ذلك الانخراط غير العسكري وغير التدخلي والموجه نحو التنمية، وضبط حركة متوازنة (من منظور صيني) بين إيران كشريك مناهض للولايات المتحدة والعرب كشركاء اقتصاديين، بهدف إضعاف الهيمنة الأمريكية دون مواجهة مباشرة.
وفي مثل هذه البيئة، يجب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تولي اهتماماً لعدة مبادئ أساسية: أولاً، أن بكين “صديق”، لكنها تنظر إلى العالم من خلال عدسة “صينية” وتفكر من منظور مصالح الصين؛ وهذا يعني الاقتصاد أولاً، ثم الأمن، وأخيراً الصبر الاستراتيجي.
كما يجب على طهران أن تأخذ في الاعتبار أن مقترح الرئيس الصيني هو نافذة فرصة، وليس ضماناً، وإذا قامت طهران بدراسته وتحليله بمنظور واقعي وفهم للرؤية الصينية لتطورات العالم اليوم وغداً، فإنها يمكن أن تستخدم أدوات الضغط الاقتصادية الصينية لتخفيف الضغوط وتحقيق توازن في الظروف المعقدة الحالية.
0 Comments