المجلس الإستراتيجي أونلاين ـ رأي: في القرن التاسع عشر، كانت منطقة القوقاز وآسيا الوسطى ساحة اللعبة الكبرى بين الإمبراطوريتين آنذاك، بريطانيا وروسيا القيصرية. لم تقلل التطورات على مدى أكثر من قرن من الأهمية الإستراتيجية لهاتين المنطقتين وخاصة القوقاز، بل ومع كل تطور جديد أضيفت أبعاد"جيوستراتيجية" جديدة للمعادلات الخاصة بها التي تحكم العلاقات بين القوى العالمية والجهات الفاعلة داخل المنطقة وخارجها.
حميد خوش آيندخبير في الشؤون الإقليمية
لأسباب فريدة من نوعها، بما فيها كونها في منطقة إستراتيجية ونقطة الاتصال بين الشرق والغرب والشمال والجنوب من العالم، وامتلاكها موارد طاقة وفيرة (النفط والغاز) وخطوط اتصال إستراتيجية، فضلاً عن كونها متاخمة لروسيا وإيران، قد تحول جنوب القوقاز عملياً إلى “قلب الأرض الجديد” للعالم وأصبح في مركز اهتمام اللاعبين الدوليين والإقليميين المهمين.
منذ عام 2020، اكتسب جنوب القوقاز أهمية متزايدة. أدى انتصار أذربيجان على أرمينيا في الحرب التي استمرت 44 يوماً والتي أدت إلى تحرير أجزاء مهمة من المناطق المحتلة من هذا البلد، إلى خلق وضع جديد في هذه المنطقة في العامين الماضيين.
من ناحية، عززت الحكومة الأذربيجانية أهدافها و”سياساتها العابرة لقره باغ” في القوقاز، وزادت هذه القضية من “سوء التقدير” في سياستها الخارجية. من ناحية أخرى، زاد هذا الواقع من عمق ونطاق “السياسات الطموحة” لبعض الأطراف الإقليمية والدولية، من بينها الكيان الصهيوني. في هذا الصدد، تقوم الحكومة التركية كذلك بشكل علني بمتابعة الأهداف الكلية وطويلة الأمد لسياستها الخارجية، أي “إنشاء تركستان الكبرى” من خلال اللعب في جنوب القوقاز.
إن محاولة الحكومة الأذربيجانية إنشاء ما يسمى بممر زنغزور الذي تدعمه تركيا وتتعاون بشكل جدي في دفعه للإمام، هي في مركز ثقل التطورات في القوقاز والمصدر الرئيسي لجميع الخلافات والتوترات في جنوب القوقاز.
إن إنشاء الممر المذكور هو مقدمة لتغيير الحدود في المنطقة، والذي إذا تم تنفيذه يمكن أن يؤدي إلى “انهيار” جنوب القوقاز بأكمله من خلال إحداث “تغييرات جيوسياسية” ودفع البيئة المحيطة بها خاصة إيران وروسيا إلى إظهار رد فعل حتمي.
هذا هو بالضبط ما كانت الدول الغربية، وخاصة بريطانيا والولايات المتحدة، تسعى إلى تحقيقه منذ سنوات وحتى عقود ؛ لأنه ينطوي على تحقيق مصالح وأهداف مهمة جداً للولايات المتحدة وبريطانيا وأعضاء الناتو؛ أهداف من أبرزها منع التحالف بين روسيا وإيران والصين لتعطيل تقدم أكبر مشروع استثماري في تاريخ البشرية أي الحزام والطريق، وتدمير التحالفات الإقليمية المنافسة والمناهضة للولايات المتحدة وأوروبا في المنطقة، فضلاً عن نقل موارد الطاقة في آسيا الوسطى وبحر قزوين وأذربيجان إلى أوروبا بشكل سهل ومنخفض التكلفة.
يُطلق على ممر زنغزور اسم “ممر الناتو” لأنه يمهد الطريق لسياسة “توسع الناتو” إلى بحر قزوين والحدود الجنوبية لروسيا دون عوائق خطيرة. الفوائد الرئيسية لمثل هذه الخطوة تعود للولايات المتحدة التي هي القوة الرئيسية لحلف شمال الأطلسي. من ناحية أخرى، يحظى هذا المشروع بتشجيع ودعم من بريطانيا لأنه يرتبط بمصالح “شركة بريتيش بتروليوم” التي هي شركة رئيسية في القوقاز وأذربيجان ويمهد لتوجيه غاز آسيا الوسطى إلى أوروبا بدلاً من روسيا والصين؛ وأخيراً، أطلق عليه اسم “ممر تركستان” لأنه يربط بين شرق وغرب العالم التركي الذي تزعمه تركيا، ولذلك فهو يعتبر أمراً حيوياً بالنسبة لأنقرة.
إلى جانب المصالح الاقتصادية والطاقية والأمنية والسياسية، تقف بريطانيا، التي تعد المهندس الرئيسي للتغييرات الحدودية في المنطقة، وراء كواليس المحاولات لإنشاء ممر زنغزور المزعوم. من الجدير بالذكر أن معظم المشاكل في غرب آسيا اليوم هي نتيجة الحدود التي رسمتها بريطانيا بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية دون النظر إلى المكونات التاريخية والثقافية والاجتماعية، حيث سعت هي فقط إلى تأمين المصالح الإستراتيجية وطويلة الأمد البريطانية في المنطقة.
على الرغم من حسابات أذربيجان وتركيا اللتين تصران على إنشاء ممر زنغزور، لن يوفر هذا الممر لهما سوى “فوائد قصيرة المدى”. هذا ممر يعتبر اللاعبون الدوليون، بما في ذلك بريطانيا، المخرجون الرئيسيون له.
بالإضافة إلى ذلك، تؤدي خطة إنشاء هذا الممر، الذي يواجه معارضة إقليمية، إلى تهديدات أمنية وجيوسياسية لأذربيجان وتركيا على المدى الطويل. إن إصرار حكومتي باكو وأنقرة على إحداث تغييرات حدودية لن يؤدي إلا إلى تأجيج الصراعات الجيوسياسية في القوقاز؛ لأن استمرار مثل هذا الوضع سيؤدي بالتأكيد إلى “الإخلال بالنظام القائم” وتوازن القوى وسيواجه ردود فعل داخل المنطقة.
تسعى الولايات المتحدة وأوروبا إلى فرض نموذج جديد في منطقة القوقاز ولهذا الغرض وضعوا على جدول الأعمال “لعبة كبيرة ومعقدة” في جنوب القوقاز، وهي في الحقيقة نسخة جديدة من اللعبة الكبرى في القرن التاسع عشر وتكرارها في أجواء القرن الواحد والعشرين المختلفة. فضلاً عن ذلك، تحظى “توريط اللاعبين الإقليميين” و”تأجيج الخلافات العرقية” باهتمام كبير في اللعبة الجديدة.
معظم المشاكل والأزمات الأمنية والعسكرية التي تظهر في هذه المنطقة تتأثر بخطط وأهداف معدّة من خارج المنطقة. التعاون الإستراتيجي الإقليمي في القوقاز، خاصة بين إيران وأذربيجان وتركيا، هو موضوع تعتبره الولايات المتحدة وبريطانيا والكيان الصهيوني وبعض الحكومات الأوروبية أمراً لا يصب في مصلحتها.
ويمثل ذلك ناقوس خطر حقيقي لدول المنطقة، خاصة أذربيجان، بأن تتجنب اللعب في ملعب الولايات المتحدة وبريطانيا والكيان الصهيوني. باستثناء مناطق قره باغ المحتلة، يجب على دول القوقاز أن تتجنب أي مزاعم أرضية ضد بعضها البعض وأي خطوة تُفسَّر على أنها في هذا الاتجاه. كما ينبغي عليها أن تكف عن تأجيج الصراعات الأمنية والعسكرية والسياسية؛ لأنه سيكون لها عواقب لا يمكن التنبؤ بها ولن تعود بالفائدة على أي من دول المنطقة.
0 Comments