المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: إن استمرار جرائم الكيان الصهيوني في غزة ولبنان قد "أثار" وزاد من المشاعر المعادية للصهيونية في الرأي العام العالمي، وخاصة في الدول الغربية.
برسام محمدي ـ خبير في الشؤون الإقليمية
شهدنا، في الأسابيع الأخيرة، بداية موجة جديدة من الاحتجاجات المناهضة للصهيونية في مناطق مختلفة من الدول الغربية، والتي اتخذت في بعض الحالات أبعاداً “عملياتية” واستهدفت اليهود المتطرفين والسكان الصهاينة الذين يدعمون الكيان الإسرائيلي. هذه المسألة هي نتيجة مباشرة و”تكلفة” للمجزرة التي ارتكبها الكيان الصهيوني ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني.
إن المسار التصاعدي لـ “العداء” ضد الصهاينة وتدمير الرموز الصهيونية، الذي حدث بطريقة “غير مسبوقة” بل وهدد أمن اليهود وراحتهم، أصبح أحد الاهتمامات الرئيسية للحكومات الغربية، التي تأثرت “تماماً” بحرب غزة ومذابح المسلمين في قلب العالم الإسلامي.
على سبيل المثال، شهدنا في الأسابيع الأخيرة سلسلة من “الهجمات العنيفة” في صورة تجمعات وأفراد ضد مجموعات مختلفة من اليهود والصهاينة المتطرفين في مناطق مختلفة من العالم، بما في ذلك أمستردام ونيويورك وشيكاغو ولندن وعشرات المدن الأخرى، مما يدل على أن موجة الأعمال والمشاعر المعادية للصهيونية لم تنطفئ فحسب، بل بدأت تظهر في “أبعاد جديدة”.
ومن “أخطر” الحوادث في هذا الصدد، حادثة وقعت مؤخراً في مدينة أمستردام، عاصمة هولندا، وأسفرت عن إصابة وقتل مئات المستوطنين الصهاينة الذين أهانوا العلم الفلسطيني ورددوا شعارات عنصرية ومعادية للفلسطينيين في الساحة الرئيسية بالمدينة وملعب أياكس في أمستردام، وكذلك في مناطق أخرى.
الأحداث التي وقعت في أمستردام كانت مروعة للغاية بالنسبة لمسؤولي الكيان الصهيوني لدرجة أن رئيس الكيان الصهيوني، “إسحاق هرتسوغ”، في محادثة مع ملك هولندا، أشار إلى الحادث بأنه “مخيف وصادم”. كما ذهب “جدعون ساعر”، وزير خارجية الكيان الصهيوني، في زيارة طارئة إلى هولندا ووصف الهجوم بأنه تحذير لأوروبا والعالم!
وفي فرنسا، نظمت المنظمات المعادية لـ “إسرائيل”، بمشاركة أعضاء من البرلمان الفرنسي وأنصار الفلسطينيين، مسيرة حاشدة في شوارع باريس للتنديد بحفل ومباراة كرة القدم بين الفرق الفرنسية والكيان الصهيوني.
ووقع حادثان مماثلان في مدينة نيويورك، حيث شن مؤيدون لفلسطين هجمات ضد مؤيدي الكيان الإسرائيلي. وفي جامعة “ديبول” في شيكاغو، هاجم رجال ملثمون مجهولون طالبين يهوديين كانا يؤيدان الكيان الصهيوني وأصابوهما بجروح. كذلك في أيرلندا، تعرض طالب مؤيد للكيان الإسرائيلي لهجوم من قبل ثلاثة رجال بعد الكشف عن هويته الصهيونية.
في الوقت نفسه، ترفض العديد من الفنادق الأوروبية تقديم خدماتها للصهاينة واستيعابهم. وقد انعكست هذه الخطوة على نطاق واسع في وسائل الإعلام المحلية للكيان الإسرائيلي لدرجة انهم اعتبروها “عودة معاداة السامية في أربعينيات القرن العشرين إلى أوروبا”!
بالإضافة إلى ذلك، داخل إسرائيل، وبعد توقف قصير، عاد جزء مهم من الرأي العام، إلى الشوارع مرة ثانية، وبشكل أكثر جدية وبشعارات احتجاجية، واصفين حرب الكيان الصهيوني في غزة بأنه إبادة جماعية واسعة النطاق ويطالبون بوقفها.
إن سلسلة الأحداث المذكورة أعلاه هي بمثابة “إنذار خطير” للكيان الصهيوني بأنه من غير الممكن مواصلة الحرب في غزة وضد المسلمين، وأنه من غير الممكن مشاهدة أعمال عنف من قبل المواطنين الغربيين، والأهم من ذلك، غير المسلمين، ضد مواطني الكيان واليهود في مناطق أخرى من العالم.
وهذا يبين بوضوح أن إصرار الكيان الصهيوني والولايات المتحدة على استمرار الحرب في غزة ولبنان والقصف المتواصل للفلسطينيين واللبنانيين لم يضع فقط الكيان الصهيوني في موقف حرج في الداخل وفي نظر الرأي العام، بل هدد أيضاً حياة اليهود الذين يعيشون في البلدان الغربية.
في الأسابيع الأخيرة، واجه اليهود الذين يعيشون في أوروبا سؤالاً جاداً حول مدى “أمنهم” في أوروبا! وكما لوحظ، فإن هذه هي التكلفة التي فرضتها حكومة الحرب التابعة للكيان الإسرائيلي على اليهود والمواطنين العاديين الذين يدعمونها في الغرب.
إن انتشار معاداة السامية واعتداءات المواطنين الغربيين ضد اليهود والمراكز والتجمعات التابعة للكيان الصهيوني أصبح “هاجساً جدياً” في الأوساط السياسية والأمنية والإعلامية للدول الغربية، والبحث عن مصدره يكون بالأساس في المجازر التي يرتكبها الكيان الصهيوني في غزة ولبنان.
لا يمكن للولايات المتحدة والكيان الصهيوني والحكومات الغربية أن تتجاهل إلى الأبد هواجس الرأي العام تجاه حرب غزة وجرائم الكيان ضد الشعب الفلسطيني. إن استمرار مسايرة أو صمت الحكومات الغربية تجاه جرائم الكيان الإسرائيلي في غزة ولبنان، إلى جانب “تجاهل” مطالب الرأي العام في هذا الصدد، سيخلق بالتدريج “تحديات” مهمة وستلقي بظلالها على “أمنهم القومي وسيادتهم” التي لا مفر منها.
ومن أجل الوقاية من وضع سيكلفهم أمنهم في نهاية المطاف، فإن الحكومات الغربية واليهود الذين يعيشون في هذه البلدان ليس لديهم خيار سوى ممارسة الضغط على الكيان الصهيوني لإنهاء الحرب والإبادة الجماعية وعدم مسايرة هذا الكيان، وإلا سيكون عليهم بطبيعة الحال تحمل تداعيات الحرب على غزة ولبنان في عواصمهم، والتي يمكن أن تصبح أكثر خطورة في المستقبل.
0 Comments