المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ حوار: أثار توقيع اتفاق مكة بين السعودية وباكستان وتركيا تساؤلات بشأن مستقبل الهيكل الأمني في المنطقة ومكانة هذه الدول في معادلات غرب آسيا. فهل يمكن لهذا الاتفاق أن يتحول إلى آلية حقيقية للدفاع الجماعي، أم أنه، أكثر من كونه مصدراً لقدرة عسكرية جديدة، يؤدي وظيفة سياسية وردعية؟
في حواره مع الموقع الالكتروني للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية حول هذا الاتفاق، قال حسين رويوران، الخبير في شؤون غرب آسيا، إن تقييم أي اتفاق للدفاع المشترك يتطلب، قبل كل شيء، الإجابة عن عدة أسئلة أساسية: “لماذا تشكّل؟ ومن يحتاج إليه؟ وما هي الآليات المتفق عليها؟ وإلى أي مدى يمكن أن يصبح قابلاً للتنفيذ؟”.
ويرى رويوران أن الإجابة عن هذه الأسئلة تظهر أن الحاجة الأساسية إلى تشكيل هذه الترتيبات تكمن لدى السعودية، وليس لدى باكستان وتركيا.
ويعتقد رويوران أن السعودية تسعى في الظروف الراهنة إلى تقديم صورة توحي بامتلاكها دعماً أمنياً وعسكرياً أوسع. وبحسب تعبيره، فإن لهذه الاتفاقات أهمية سياسية وإعلامية بالنسبة إلى الرياض؛ إذ تريد السعودية أن تظهر أنها ليست وحيدة في المعادلات الأمنية للمنطقة، وأن لديها شركاء يمكنهم الوقوف إلى جانبها في أوقات الأزمات.
باكستان؛ بين الالتزام تجاه السعودية ومتطلبات الأمن القومي
يتمثل أحد المحاور الرئيسية في تحليل رويوران في وضع باكستان. فهو يشير إلى سابقة التعاون الدفاعي بين باكستان والسعودية، ويذكّر بأنه خلال حرب اليمن، عندما كانت السعودية تتوقع من باكستان مشاركة عسكرية، عارض البرلمان الباكستاني دخول قوات هذا البلد بصورة مباشرة في الحرب.
وانطلاقاً من ذلك، يتساءل رويوران: هل ستقبل باكستان، في ظل مواجهتها تحديات أمنية متعددة على حدودها مع الهند وأفغانستان، بأن تعرّض أمنها القومي للخطر من أجل السعودية؟ مجيباً بالنفي. فمن وجهة نظره، ستعمل باكستان في نهاية المطاف على تحقيق التوازن بين مصالحها ومطالب شركائها الخارجيين، ومن المستبعد أن تدخل، من أجل السعودية، حرباً لا ترتبط بصورة مباشرة بالمصالح الحيوية لإسلام آباد.
وفي الوقت نفسه، فإن القضية الرئيسية اليوم ليست إمكانية أو عدم إمكانية تقديم باكستان دعماً عسكرياً للسعودية، وإنما نطاق هذا الدعم والظروف التي ستكون إسلام آباد مستعدة في ظلها لتنفيذ التزاماتها. وهنا تظل القاعدة التي أشار إليها رويوران محتفظة بأهميتها، وهي أن باكستان لديها حساباتها الأمنية المستقلة، ولا يمكن اعتبار عضويتها أو تعاونها الدفاعي مع السعودية بمثابة قبول بجميع السياسات الإقليمية للرياض.
تركيا؛ مصالح مستقلة في التعاون مع الرياض
ويؤكد رويوران، في ما يتعلق بتركيا أيضاً، استقلال الحسابات ذاتها. فهو يرى أن أنقرة لن تعرّض أمنها القومي للخطر لمجرد علاقاتها مع السعودية. ولتوضيح هذه المسألة، يشير إلى سوابق الخلافات السياسية بين البلدين، ومنها أزمة قطر والسعودية، وكذلك قضية جمال خاشقجي، التي أثرت في مرحلة من المراحل بصورة شديدة في العلاقات بين البلدين.
وفي الوقت نفسه، يرى رويوران أن لتركيا مصالح اقتصادية ودفاعية محددة في هذا الاتفاق أيضاً. ويعتقد أن أحد الدوافع المهمة لأنقرة يتمثل في تطوير التعاون العسكري وبيع المعدات الدفاعية للسعودية.
وتشير تحليلات مختلفة إلى أن العلاقات التركية السعودية ابتعدت خلال السنوات الأخيرة عن مرحلة التنافس السياسي الحاد، واتجهت نحو التعاون الاقتصادي والدفاعي. ولذلك، لا يمكن اختزال دوافع تركيا في إطار الخلافات التاريخية أو السياسية السابقة وحدها. وترى أنقرة أنها تستطيع الاستفادة من الاتفاق الجديد لتوسيع سوق صناعاتها الدفاعية، وزيادة صادراتها العسكرية، وترسيخ مكانتها بوصفها أحد اللاعبين الأمنيين المهمين في المنطقة. ومن ثم، فإن تعاون تركيا مع السعودية لا يعني، بقدر ما يعني تشابكاً أمنياً بين أنقرة والرياض، نوعاً من تقارب المصالح في مجالات محددة.
القدرة الفعلية للتحالف البحري
يتعلق جزء آخر من تحليل رويوران بالتحالف البحري المدعوم من السعودية. فهو يرى أن مجرد انضمام عدة دول إلى مبادرة للأمن البحري لا يعني إنشاء قوة عسكرية فعالة. ويعتقد أنه في ظل عدم تمكن الولايات المتحدة، حتى مع امتلاكها أقوى قوة بحرية في العالم، من القضاء على جميع التهديدات البحرية في المنطقة، لا يمكن توقع أن يتمكن تحالف يضم عدة دول إقليمية من اكتساب مثل هذه القدرة بسرعة.
ويشير رويوران في هذا الصدد إلى باب المندب ومضيق هرمز، ويعتقد أن التطورات الأخيرة أظهرت أن السيطرة على الممرات البحرية في المنطقة وضمان أمنها مسألة بالغة التعقيد، وأن مجرد تشكيل تحالف أو إعلان الدول استعدادها للتعاون لا يعني بالضرورة قدرتها على السيطرة على هذه المناطق.
ومن وجهة نظره، ينطبق الأمر نفسه على الاتفاق الدفاعي الجديد. فهو يؤكد أن ما يبرز في نص الاتفاق هو طابعه الدفاعي، وأن هذه الدول ليست بالضرورة مستعدة للدخول في حرب هجومية ضد طرف ثالث من أجل السعودية. وبحسب تعبيره، “قد تدافع إسلام آباد وأنقرة عن الرياض”، لكن هذا الوضع يختلف عن الدخول في حرب لتحقيق أهداف السعودية الإقليمية.
إن هذا التمييز بين “الدعم والدفاع عن عضو في اتفاق” و”الدخول في حرب بالنيابة عن ذلك العضو” له أهمية أساسية في التقييم الواقعي للاتفاق. وحتى إذا كان الالتزام بالدفاع المتبادل جدياً من الناحية السياسية، فإن طريقة تنفيذه ستعتمد على قرارات الدول الأعضاء، وظروف الأزمة، وتفاصيل الآليات العملياتية.
وفي النظرة العامة لرويوران، تسعى السعودية قبل كل شيء إلى إيجاد دعم سياسي وأمني لها. ويعتقد أن الرياض، بعد تجربة الهجمات الإقليمية وملاحظة حدود الدعم الخارجي، تحتاج إلى أن تظهر أن لديها خيارات أخرى أيضاً.
ومن هذا المنظور، يرى رويوران أن لهذه الاتفاقات طابعاً سياسياً ودعائياً، إلى جانب أن لكل طرف دوافعه الخاصة: السعودية لكي تظهر أنها ليست وحيدة، وباكستان بسبب مصالحها الاقتصادية والسياسية، وتركيا أيضاً بالنظر إلى مصالحها الدفاعية والصناعية.
كما يبدي رويوران شكوكاً إزاء تحقق الاستثمارات السعودية الضخمة جداً في باكستان بسرعة، ويؤكد على الفارق بين مستوى العلاقات الاقتصادية بين الصين وباكستان وبين العلاقات السعودية الباكستانية. ومن وجهة نظره، لا ينبغي اعتبار كل وعد أو اتفاق اقتصادي دليلاً على تحقق استثمارات ضخمة بصورة مؤكدة.
تداعيات الاتفاق على إيران
في نهاية المطاف، يعتقد رويوران أن هذه التطورات لا تغير، بحد ذاتها، المعادلات الإقليمية الكبرى. ويؤكد على العلاقات الواسعة التي تربط إيران بكل من باكستان وتركيا، ويرى أن أياً من الدولتين لن تكون مستعدة لإخضاع جميع مصالحها وعلاقاتها مع إيران لتأثير علاقتها بالسعودية.
وبحسب رأيه، فإن باكستان، بسبب حدودها المشتركة ومصالحها الاقتصادية والأمنية المتعددة مع إيران، وتركيا أيضاً، بسبب حجم علاقاتها السياسية والاقتصادية والإقليمية الواسعة مع طهران، لا تملكان دافعاً للتحول إلى جزء من جبهة معادية لإيران.
وينبغي البحث عن أهمية الاتفاق الثلاثي في مكة في هذه النقطة تحديداً. فهذا الاتفاق لا يعني حتى الآن تشكيل تحالف عسكري مماثل لهياكل الدفاع الجماعي الراسخة، لكنه يظهر أن السعودية تعمل على تنويع شركائها الأمنيين وتسعى إلى إيجاد عمق استراتيجي أكبر. وفي المقابل، فإن باكستان وتركيا، مع حفاظهما على علاقاتهما مع الرياض، تواصلان امتلاك مصالح مستقلة تجاه إيران والغرب وسائر القوى الإقليمية. ولذلك، وفي الظروف الراهنة، ينبغي تقييم هذا الاتفاق، أكثر من كونه مؤشراً على تشكل جبهة جديدة في مواجهة إيران، بوصفه مؤشراً على مساعي السعودية إلى إعادة بناء الردع، وزيادة خياراتها الأمنية، وإظهار امتلاكها شبكة من الشركاء الإقليميين.
أما الاختبار الحقيقي لهذا الاتفاق فلن يكون في مراسم التوقيع والدعاية السياسية، بل عند وقوع أزمة محددة؛ حيث سيتعين عندها معرفة مدى تحول الالتزامات الدفاعية للأعضاء إلى عمل عسكري، وتنسيق عملياتي، وقبول التكلفة الحقيقية المترتبة على ذلك.
0 Comments