جدیدترین مطالب
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
أحدث المقالات
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
أهداف ورسائل العرض العسكري الصيني بالتزامن مع قمة منظمة شنغهاي
المناورة الكبرى وتغيير التوازنات
قال إسماعيل بشري في حوار مع الموقع الالكتروني للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية: “إن إجراء الصين لعرض عسكري في هذا التوقيت له بالدرجة الأولى بُعد سياسي. فبكين من خلاله تبعث برسالة بأنها مستعدة للعب دور مختلف في النظام الأمني الإقليمي. إن حضور قادة دول مثل روسيا، بيلاروسيا، وكوريا الشمالية إلى جانب الصين، يقدم صورة عن تقارب جديد يعادل في رمزيته غياب القادة الغربيين عن هذا الحدث”.
ويرى الخبير في شؤون جنوب شرق آسيا أن “هذه المناورة تحمل رسائل متعددة الأبعاد؛ فمن جهة تُحذّر واشنطن بأن الضغوط الاقتصادية والعقوبات غير قادرة على كبح الصين، ومن جهة أخرى تبعث لدول المنطقة برسالة أن بكين يمكن أن تكون محوراً لكتلة أمنية جديدة”. وأكد هذا المحلل أن “اختيار التوقيت له أهمية خاصة؛ ففي الوقت الذي تنشغل فيه الولايات المتحدة بحرب أوكرانيا وأزماتها الداخلية، رأت الصين أن الفرصة سانحة لعرض قوتها”.
وبحسب المحلل: “لقد تعلمت بكين جيداً أن استعراض القوة العسكرية يُعد في حد ذاته نوعاً من الدبلوماسية الرادعة. فهي تسعى من خلال ذلك إلى إظهار قدرتها على الردع دون الانخراط في حرب مكلفة، وفي الوقت ذاته تغيير التوازنات السياسية والنفسية لصالحها. ومن هنا يتجه شرق آسيا نحو معادلة متعددة الأقطاب، من دون أن تقع الصين في الفخ الغربي المرسوم لحرب مع تايوان”.
التحول التكنولوجي في معارك الهايبرسونيك وتفوّق الصين على الناتو
وقال هذا الخبير: “إن ما يميز المناورة الحالية عن سابقاتها ليس فقط حجمها واتساعها، بل نوعية التكنولوجيا التي ستُعرض خلالها”. وأوضح أن “الأسلحة فرط الصوتية وشبكات الاتصالات الحديثة في الصين بلغت مستوى يتيح التنسيق الدقيق بين القوات البرية والجوية والبحرية وحتى الفضائية”.
كما بيّن أن “دقة هذه المنظومات باتت على درجة تجعل من الصعب على الناتو والولايات المتحدة الرد بسرعة وبشكل منسق عليها، وهو ما اعتبره تغييراً استراتيجياً في ميزان القوى العالمي”. وبرأيه، “لقد بلغت الصين مرحلة يمكنها فيها بالاعتماد على التكنولوجيا المحلية أن تسد الفجوة التاريخية مع الغرب، بل وتتجاوزه في بعض المجالات”.
ويرى محلل الشأن الصيني أن “هذا التحول لا يقتصر على كونه تفوقاً فنياً فحسب، بل يمثل تفوقاً ردعياً أيضاً، إذ تذكّر الصين الولايات المتحدة وحلفاءها بأن زمن احتكار الغرب للتكنولوجيا قد انتهى”. وأكد: “إن هذا التطور لن يؤثر على التوازن العسكري فحسب، بل على التوازن السياسي والدبلوماسي أيضاً، ما سيدفع دولاً آسيوية وحتى أوروبية إلى إعادة النظر في علاقاتها مع بكين”.
تايوان؛ فرصة الصين لإعادة التوازن في ظل حرب أوكرانيا
يرى إسماعيل بشري أن “تايوان تمثل أحد أكثر الملفات الجيوسياسية حساسية، وأن المناورة الصينية لها تأثير مباشر على هذا الملف”. وبحسب رأيه، “فإن الولايات المتحدة تسعى لتحويل تايوان إلى نسخة مشابهة لأوكرانيا لفرض ضغط دائم على بكين؛ لكن الصين باعتمادها سياسة الصبر الاستراتيجي وإجراء مناورات واسعة اختارت مساراً آخر”. وأوضح الخبير أن “بكين تنظر إلى قضية تايوان من ثلاث زوايا؛ الأولى، تعزيز الردع العسكري بأقل كلفة ممكنة؛ الثانية، إرسال رسالة سياسية إلى الولايات المتحدة وحلفائها بأنها مستعدة للدفاع عن وحدة أراضيها؛ والثالثة، تثبيت الموقع الجيوسياسي لبكين في بحر الصين الجنوبي”.
وأشار عضو مركز البحوث الاستراتيجية إلى أن “تجربة أوكرانيا قدمت للصين دروساً مهمة؛ فاستعراض القوة يمكن أن يرفع كلفة خصومها من دون الدخول في حرب مباشرة، وأن يغير الظروف الدبلوماسية. في الواقع، عبر إجراء مثل هذه المناورات، تضع الصين الولايات المتحدة في موقف صعب، لأن أي ضغط مفرط قد يثير رداً مقابلاً من بكين ويزيد الأزمة تعقيداً. لذلك يمكن اعتبار هذه المناورة جزءاً من استراتيجية الصين طويلة المدى لإدارة ملف تايوان وإعادة التوازن في شرق آسيا، وهو توازن ستكون له انعكاسات مباشرة على المعادلات العالمية أيضاً”.
المناورة كفرصة للصين بعد ضغوط ترامب الاقتصادية والدبلوماسية
وأشار في تحليله أيضاً إلى تأثير عودة دونالد ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة، معتبراً أن “السياسات العدوانية لترامب تجاه الصين، بما فيها تشديد العقوبات والقيود على الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة، دفعت عملياً ببكين نحو زيادة الاعتماد على قدراتها العسكرية والردعية”. وبحسب الخبير في شؤون شرق آسيا، “تُمثل المناورة الحالية فرصة للصين لا لعرض جاهزيتها الدفاعية فحسب، بل تظهر للعالم بأن الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية لن تُضعفها. في الواقع، تحمل هذه المناورة رسالتين واضحتين؛ الأولى، الصمود في وجه سياسات واشنطن، والثانية، إعلان الاستعداد للقيام بدور شريك أمني موثوق لدول المنطقة وما وراءها”.
وأضاف عضو مركز البحوث الاستراتيجية أن “تداعيات هذا العرض العسكري لن تكون عسكرية فقط، فتعزيز مكانة الصين الدفاعية سينعكس مباشرة على علاقاتها التجارية والدبلوماسية. فالدول التي كانت مترددة في التعاون مع بكين قد تنخرط معها الآن بثقة أكبر. وفي ظل اتباع الولايات المتحدة سياسة الاحتواء، تعمل الصين من خلال استعراضات القوة هذه على إعادة تعريف موقعها في النظام الدولي”.
0 Comments