جدیدترین مطالب
أحدث المقالات
قراءة في الارتباك السياسي للحكومة الفرنسية

مرتضى مكي ـ خبير في الشؤون الأوروبية
رئيس الحكومة الفرنسية الجديد، فرانسوا بايرو، شخصية سياسية معروفة، وهو زعيم حزب يمين الوسط في الحركة الديمقراطية. يشغل الحزب 36 مقعداً من أصل 577 مقعداً في البرلمان الفرنسي.
يتمتع فرانسوا بايرو بعلاقات جيدة مع قادة أحزاب يسار الوسط. وقد ترشح للرئاسة ثلاث مرات كممثل وسطي. اقترب بايرو من النصر في عام 2007، عندما جاء في المركز الثالث محرزاً قرابة 19 في المائة من الأصوات. ثم أثار دعمه لمرشحة الحزب الاشتراكي، سيغولين رويال، غضب نيكولا ساركوزي، الفائز المستقبلي في الانتخابات. أدى دعمه لسيغولين رويال ثم فرانسوا هولاند في عام 2012 إلى كسب ثقة خاصة بين الاشتراكيين.
يرى فرانسوا بايرو أن فرص النجاح ضئيلة، ولكن عندما تكون الطريقة الوحيدة الممكنة لبقاء حكومة الأقلية هي بناء الجسور بين اليسار واليمين، فإنه يتمتع بميزة إقامة علاقات مقبولة مع كلا الجانبين. على الرغم من السمات الشخصية لفرانسوا بايرو في التحدث إلى أحزاب اليمين واليسار، إلا أن رد فعل قادة الأحزاب المختلفة على انتخاب بايرو رئيسا للوزراء يضعه في موقف معلق، مثل ميشيل بارنييه. وقال المعسكر اليميني المتطرف الذي يقوده حزب التجمع الوطني إنه لا يعتزم تقديم اقتراح فوري بحجب الثقة للبرلمان في الوقت الحالي. وشدد كل من زعيمي الحزب، جوردان بارديلا ومارين لوبان، على أن فرانسوا بايرو يجب أن يعير الاهتمام لآراء المعارضة بشأن الميزانية.
من ناحية أخرى، أعلن فابيان روسيل، زعيم الحزب الشيوعي، أنه لن يتخذ إجراء ضد بايرو مادام لن يمرر قوانين بغض النظر عن المعارضة. لكن رد فعل اليسار المتطرف في فرنسا على التعيين كان متبايناً، حيث أعلن قادة حزب “فرنسا الأبية” أنهم سيسعون إلى الإطاحة برئيس الوزراء الجديد. كما قالت زعيمة حزب الخضر، مارين توندوليه، إنها ستدعم اقتراح بحجب الثقة إذا تم تجاهل هواجس الحزب بشأن الضرائب والرواتب التقاعدية.
ستكون المهمة الرئيسية لبايرو هي تمرير قانون خاص لتنفيذ موازنة 2024، في حين هناك معركة أصعب في أوائل العام المقبل حول إقرار ميزانية 2025. ومن المتوقع أن تصل ديون فرنسا إلى أكثر من 3 تريليون يورو (3.17 تريليون دولار) بحلول عام 2025 ويصل الدين الحكومي إلى حوالي 110٪ من الناتج المحلي الإجمالي. سعى ميشيل بارنييه إلى خفض عجز الميزانية الفرنسية، والذي من المتوقع أن يصل إلى 6.1٪ من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام. في مشروع قانون الميزانية، أراد بارنييه زيادة الضرائب وخفض الإنفاق بمقدار 60 مليار يورو، حيث عارض النواب هذا القرار.
يمكن أن يحدد تشكيل حكومة فرانسوا بايرو مستوى دعم الحزب والمدة التي ستستمر فيها الحكومة الفرنسية المتعثرة. يحاول بايرو تشكيل حكومة من شخصيات من يمين الوسط ويسار الوسط. يبقى أن نرى إلى أي مدى تكون أحزاب يمين ويسار الوسط مستعدة للمشاركة في حكومة فرانسوا بايرو. إن الاهتمام بمطالب حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف يلعب دوراً حاسماً في بقاء حكومة بايرو. إذا سقطت حكومة بايرو، سيزداد الضغط على ماكرون للاستقالة. يأمل الرئيس الفرنسي أن يتمكن فرانسوا بايرو من الصمود والنجاة من تصويت بحجب الثقة حتى أوائل الصيف المقبل على الأقل، حيث من المرجح إجراء انتخابات برلمانية جديدة. وفقاً للدستور الفرنسي، إذا أجريت انتخابات برلمانية مبكرة، فلا يمكن للرئيس حل البرلمان وإجراء انتخابات أخرى. هذا الوضع السياسي المتأزم المليء بالتحديات في فرنسا يعكس المكانة المتزعزعة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وهو يتعرض لضغط كبير للاستقالة، لكنه قاوم هذا الضغط حتى الآن، ويحاول إيجاد طريق للخروج من هذه الأزمة بمساعدة سياسيين مخضرمين مثل ميشيل بارنييه وفرانسوا بايرو. حيث لم يتمكن ميشيل بارنييه من فتح طريق للخروج، ويواجه فرانسوا بايرو مهمة صعبة للغاية. تعود جذور عدم الاستقرار السياسي في فرنسا إلى الاستياء الشعبي الواسع النطاق من ماكرون والحالة المعيشية الاقتصادية الصعبة في فرنسا. فرنسا، إلى جانب ألمانيا، هما القوة الدافعة لأوروبا. في كلا البلدين، فقدت أحزاب يمين الوسط ويسار الوسط قاعدتها التقليدية، وأصبحت أحزاب اليمين المتطرف واليسار المتطرف هي صاحبة الكلمة العليا على الساحة السياسية في البلاد. حيث ألمانيا على أبواب انتخابات برلمانية مبكرة في 23 فبراير/شباط، وفي فرنسا لم تستطع الانتخابات المبكرة من خلق فرصة لماكرون. بل على العكس من ذلك، فقد أضحى التيار المعتدل في وضع هش. هذه الأوضاع الهشة في ألمانيا وفرنسا وسط عودة ترامب إلى البيت الأبيض والوضع الغامض للحرب الأوكرانية، أثرت سلبياً على النشاط الأوروبي للرد على سياسات ترامب وكيفية إنهاء الحرب الأوكرانية.
0 Comments