المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي الضيف: أعلنت مجموعة العمل المالي (FATF)، يوم الجمعة 23 فبراير/ شباط، أن اسم الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا يزال على "القائمة السوداء" لهذه المنظمة الدولية؛ القرار الذي يبدو أنه لم يكن بعيداً عن المتوقع بالنسبة للسلطات الإيرانية، ووفقاً لتصريحات رئيس البنك المركزي قبل يوم من نشر هذا البيان، بسبب العقوبات، فإن إيران تبحث حالياً عن مجموعة العمل المالي الخاصة بها، كما أنها تستخدم أدوات أخرى بدلاً من SWIFT أيضاً. وبناء على ذلك، يبدو أنه في حين تم رفع الإمارات العربية المتحدة من "القائمة الرمادية" لهذه المنظمة في فترة المراجعة الحالية وتم نفس الأمر بالنسبة للبنان في الفترة السابقة أي يوليو/تموز 2023، فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تبذل حالياً جهداً خاصاً وإرادةً لمغادرة القائمة السوداء لدى فريق العمل المالي. ولكن ما هو نوع منظمة FATF، ولماذا يعارض البعض في إيران الانضمام إليها؟ وما هو السبيل للخروج من هذا الوضع؟
الدکتور محمد مهدی مظاهری – أستاذ جامعی
مجموعه العمل المالی (المتعلقه بغسیل الأموال) أو FATF باختصار، هو اسم منظمه حکومیه دولیه تأسست عام 1989 بمبادره من مجموعه الدول السبع بهدف مکافحه غسل الأموال. وفی عام 2001، انضمت هذه المنظمه إلى الحمله ضد تمویل الإرهاب. لمجموعه العمل المالی فی إیران خصمان رئیسیان؛ ویرى فریق من معارضیها أنه بما أن إیران تخضع حالیاً لعقوبات دولیه، فإن الانضمام إلى مجموعه العمل المالی یمکن أن یمنع الالتفاف على العقوبات فی هذا البلد، لأنه وفقاً لقواعد هذه المجموعه، یجب أن تکون المعاملات المالیه للدول واضحه وشفافه. وإذا حدث ذلک، فلن تتمکن إیران بعد الآن من الإلتفاف على العقوبات.
قلق المجموعه المعارضه الأخرى هو الدعم المالی للجماعات الموالیه لإیران، ویعتقدون أنه إذا تم إدراج اسم جبهه المقاومه والجماعات الموالیه لإیران فی قائمه الجماعات الإرهابیه من قبل الولایات المتحده والدول الغربیه، فإن بنوک الجمهوریه الإسلامیه الإیرانیه لا تستطیع إجراء معاملات مالیه معها إذا قبلت شروط مجموعه العمل المالی.
وعلى الرغم من أن هذه المخاوف مهمه وجدیره بالاعتبار، إلا أنه تجدر الإشاره أیضاً إلى أن وضع اسم إیران على القائمه السوداء لمجموعه العمل المالی له تأثیر کبیر على سیاسه إیران الخارجیه واقتصادها. وبالإضافه إلى الإضرار بمصداقیه إیران وقوتها الناعمه فی المؤسسات الدولیه، فقد فرض ذلک العدید من القیود والتکالیف على المعاملات التجاریه والمالیه للبلاد، وأدى إلى إبعاد الشرکاء التجاریین المهمین عن إیران؛ لأن القید الأهم بسبب وجودها على القائمه السوداء لمجموعه العمل المالی هو فقدان إمکانیه تحویل الأموال مع البنوک الأجنبیه، وستتعرض جمیع الدول الشرقیه والغربیه لغرامات باهظه إذا تعاملت مع إیران. فضلاً عن ذلک، فحتى الدول الصدیقه والمجاوره مثل العراق جاده للغایه بشأن العقوبات ضد إیران، ودول مثل روسیا والصین تؤکد دائماً على أن استمرار وتقدم علاقاتها الاقتصادیه مع بلادنا یعتمد على تعاون إیران مع مجموعه العمل المالی. وفی هذا الصدد، فإن التطویر الناجح للتعاون مع الدول الأعضاء فی مجموعه البریکس ومنظمه شنغهای، التی بذلت حکومه السید رئیسی جهوداً کبیره للانضمام إلیها، یعتمد أیضاً على الخروج من القائمه السوداء لمجموعه العمل المالی.
فی الظروف الراهنه، لا یمکن القیام بأی نشاط فی مجال التجاره الدولیه بشکل طبیعی لرجال الأعمال الإیرانیین، کما أن تکلفه التبادلات الاقتصادیه والمعاملات المالیه فی إیران تبلغ عده أضعاف المستوى المعتاد. وفی الواقع، فإن عدم تعاون إیران مع مجموعه العمل المالی أخرج معظم المعاملات المالیه والمصرفیه فی البلاد من العملیه الطبیعیه ونقلها إلى مجال الوساطه المالیه. وفی هذه الحاله، على الرغم من أن عمل إیران یمکن أن یتم بدون الانضمام لمجموعه العمل المعنیه بالإجراءات المالیه، إلا أن ذلک یرتبط بتکالیف وساطه ضخمه، یقع عبئها وتکالیفها على اقتصاد الدوله وشعبها. ونتیجه لذلک، فی الوضع الحالی حیث یتعرض الشعب الإیرانی لضغوط اقتصادیه شدیده، یبدو من الضروری إیجاد طرق بدیله لحل مشاکل التعاون مع مجموعه العمل المالی.
على سبیل المثال، أصبحت أکثر من 50 دوله فی العالم، بما فی ذلک بعض الدول الإسلامیه، أعضاء “بشروط” فی اتفاقیه مکافحه تمویل الإرهاب (CFT)، ویمکن للجمهوریه الإسلامیه الإیرانیه أیضاً المشارکه فی الحالات التی تشعر فیها تهدید لمصالحها مع استخدام “حق التحفظ” فی نظام القانون الدولی، وهو ما یعنی الإعلان عن أن البنود التی قبلتها إیران لا یمکن أن تتعارض مع مصالح إیران وأمنها القومی، وأی ماده (بما فی ذلک الماده 6 من (CFT تمانع إیران من إیجاد الشروط، سوف لن تکون حکومه الجمهوریه الإسلامیه الإیرانیه منضمه إلیها.
وهناک نقطه أخرى مهمه، وهی أنه على الرغم من أن مجموعه العمل المالی جزء من الآلیات المالیه فی العالم، وعنوانها الرئیسی هو مکافحه غسیل الأموال، إلا أن العدید من الدول، بعد الانضمام إلیها وتجنب الأضرار الناجمه عن عدم الانضمام إلیها، تستمر بالقیام بالإجراءات التی ترتضیها. على سبیل المثال، یقال إن أکثر من نصف عملیات غسیل الأموال فی العالم تتم فی الصین والولایات المتحده، وهما من اللاعبین الأکثر نشاطاً فی مجموعه العمل المالی. والسعودیه هی أیضاً أحد الأعضاء الآخرین فی هذه المنظمه، التی لم تتوقف أبداً عن تقدیم الدعم المالی للجماعات المتطرفه والإرهابیه فی ذروه الثورات العربیه والتوترات الإقلیمیه. وبالتالی، هناک حل آخر یتمثل فی تقلیل العقبات التی تعترض أنشطتنا الدولیه من خلال الانضمام إلى مجموعه العمل المالی وفی نفس الوقت المضی فی شؤوننا المالیه.
والنقطه الأخرى هی أن الجمهوریه الإسلامیه الإیرانیه، لکی تصبح عضواً فی منظمه شنغهای، قبلت أیضاً لوائح معقده تتماشى مع وصول المنظمه إلى المعلومات المالیه الإیرانیه. لقد تم قبول لوائح شنغهای من خلال عملیه إلحاق سلسله من الشروط الإیرانیه، ویمکن تنفیذ نفس النمط فی حاله مجموعه العمل المالی. القضیه هی أن إیران لم تتلق المسؤولیه والولاء اللائقین من حلفائها الشرقیین فی المواقف التاریخیه، وبالتالی، إذا استمر التعاون مع هذه الدول فی مختلف مجالات الأمن والاستخبارات والاقتصاد، فإنه یجب عدم السماح للنهج المناهض للغرب لدى بعض الأفراد، أن یحول دون تمریر أهداف البلاد ومصالحها على الساحه الدولیه، وأن لا یتم تحمیل تکالیف تداعیاتها على أکتاف الشعب الإیرانی النحیفه.
إن العلاقات الدولیه لم تکن مبنیه قط على الثقه، وبالتالی لا تستطیع إیران، ولا ینبغی لها، أن تثق فی الغرب کما هو الحال بالنسبه للشرق؛ ولکن یمکنها، بل ینبغی لها، أن تعمل على تعزیز مصالح البلاد من خلال تعزیز الدبلوماسیه والتبادلات السیاسیه ومنع أی عمل من شأنه أن یضعف اقتصاد إیران فی المحافل الدولیه ویشوه سمعتها. إن تعاون إیران مع مجموعه العمل المالیه هذه لا یزیل الضغط الدولی على إیران ویقدم بلادنا کجهه فاعله مسؤوله وملتزمه بالقانون فحسب، بل إنه أیضاً، بالنظر إلى بعض عملیات الاختلاس الأخیره، یمکن أن یمنع هروب المجرمین المالیین من البلاد وبطریقه أو بأخرى منع تحویل الکثیر من الأموال من داخل الدوله إلى دوله مثل کندا، بل ومن الممکن إعاده جزء من الأموال المفقوده.
0 Comments