جدیدترین مطالب
تحديات الاتحاد الأوروبي في بلورة سياسة أوروبية موحدة تجاه الصين
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: “إن الشكل الحالي للعلاقات التجارية والاستثمارية بين الاتحاد الأوروبي والصين غير قابل للاستمرار”. هذه العبارة التي وردت في ختام الاجتماع الاستراتيجي الأخير للمفوضية الأوروبية بشأن الصين، ربما تمثل أهم توصيف للتحول الذي تشهده العلاقات بين بروكسل وبكين خلال السنوات الأخيرة.
أحدث المقالات
تحديات الاتحاد الأوروبي في بلورة سياسة أوروبية موحدة تجاه الصين
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: “إن الشكل الحالي للعلاقات التجارية والاستثمارية بين الاتحاد الأوروبي والصين غير قابل للاستمرار”. هذه العبارة التي وردت في ختام الاجتماع الاستراتيجي الأخير للمفوضية الأوروبية بشأن الصين، ربما تمثل أهم توصيف للتحول الذي تشهده العلاقات بين بروكسل وبكين خلال السنوات الأخيرة.
انتخاب الزيدي رئيساً للوزراء؛ بداية فصل جديد في العراق

برسام محمدي – خبير في الشؤون الاقليمية
علي الزيدي، المولود عام 1986، هو أصغر شخص يُختار رئيساً للوزراء في العراق. وقد يبدو افتقاره إلى خبرة تنفيذية أو سياسية طويلة، للوهلة الأولى، نقطة ضعف؛ إلا أن هذه السمة ذاتها، في ظل الظروف الراهنة في العراق، يمكن أن تتحول بالتأكيد إلى نقطة قوة، إذا ما تعزّزت الوحدة والتماسك والاستقرار السياسي حول رئيس الوزراء الشاب.
ومن خلال مراجعة مسار اختيار الزيدي، يتضح أنه لم يكن نتاج صفقات معقدة لتقاسم السلطة، ولا صنيعة إرث ثقيل من التناقضات الحزبية والفئوية. ومن هنا، فإن اختياره من قبل 11 من أصل 12 من مسؤولي الإطار التنسيقي، يدل على أن جزءاً من الطبقة السياسية الحاكمة بات يؤمن بضرورة إعادة النظر في نموذج الحوكمة، والاستفادة من جيل جديد وشاب من المديرين في المستويات العليا؛ جيل يُعدّ، مصدراً لتفكير عملي وتنموي قائم على الكفاءة، أكثر من كونه منخرطاً في منافسات استنزافية.
كما أن الرسالة ذات الدلالة التي وجهتها الولايات المتحدة إلى رئيس الوزراء الجديد، فتحت أمامه هامشاً جديداً للمناورة الدبلوماسية. فالولايات المتحدة، بدلاً من التسرع في اتخاذ مواقف سياسية، تترقب اختبار مساره ونهجه. وهذه المسافة الأولية قد تضع الزيدي في موقع يسمح له بصياغة السياسة الخارجية العراقية على أساس المصالح الوطنية، وليس نتيجة الضغوط الخارجية الأمريكية. وبالطبع، إذا تمكن من الحفاظ على التوازن بين العلاقات الاستراتيجية مع إيران ومتطلبات التعاون مع الولايات المتحدة، فسيكون قادراً على إخراج العراق من أجواء الاستقطاب الثنائي المُنهِك، نحو سياسة خارجية متوازنة وهادئة وقابلة للتنبؤ؛ وهي سياسة سيرحب بها كثير من الشركاء الإقليميين والدوليين.
على الصعيد الداخلي، تعهّد الزيدي بإعادة هيكلة مركز السلطة بحيث يخرجها من حالة التركّز المفرط في مكتب رئاسة الوزراء، وذلك عبر توزيع الصلاحيات واستحداث نواب للرئيس من دون نفوذ تنفيذي مباشر، بما يتيح مشاركة أوسع وتنسيقاً أكبر بين مختلف التيارات السياسية. هذا التوجه يمكن أن يُسهم في تخفيف التوترات السياسية، ويمنع تحوّل موقع رئاسة الوزراء إلى بؤرة صراع على النفوذ، ويتيح في المقابل مجالاً لحكم أكثر استقراراً. فقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن تركّز السلطة في نقطة واحدة جعل العراق عرضةً للضغوط الخارجية والأزمات الاقتصادية والانقسامات الداخلية.
ويرتكز المحور الأساسي لبرنامج الزيدي على الإصلاح الاقتصادي وتحسين البنى التحتية. فبفضل خبرته في المجالات المالية والمصرفية والقانونية، يدرك تماماً تعقيدات البنية الاقتصادية العراقية غير الفاعلة، التي تعتمد اعتماداً مفرطاً على الإيرادات النفطية وتبقى هشّة أمام التقلبات الدولية. تركيزه على تمكين الكوادر البشرية، ومكافحة الفساد الإداري، واستقطاب الاستثمارات، وتطوير الممرات الاقتصادية الإقليمية، يمكن أن يفتح، إذا نُفّذ فعلاً، مساراً جديداً نحو تنويع الاقتصاد وخلق فرص عمل.
ورغم أن تحقيق هذه البرامج يتطلب قدراً كبيراً من الاستقرار السياسي والتنسيق بين المؤسسات، فإن اختيار شخصية غير فئوية مثل الزيدي يمنح فرصةً لتقدّم الإصلاحات بمقاومة أقل وإجماع أكبر.
وعلى مستوى أعمق، يمثّل اختيار الزيدي انعكاساً لانتصار إرادة وطنية تسعى إلى التحرر من التبعية التاريخية للدول الأجنبية، والانطلاق نحو مرحلة اتخاذ القرار المستقل. القوى السياسية الداعمة له تؤمن بأن البلاد تحتاج إلى شخصية قادرة على الصمود أمام الضغوط الخارجية من دون أن تنجرف نحو العزلة أو المغامرة.
ومن منظور مؤيديه، يُنظر إلى الزيدي بوصفه سياسياً يدرك أهمية العمق الاستراتيجي للعراق، وصلاته الإقليمية، وضرورة التعاون مع دول الجوار، وقادراً على النظر إلى منظومة الأمن الإقليمي لا كساحة تنافس، بل كشبكة مصالح مشتركة.
وتركّز سياسة الحكومة الجديدة في المجال الإقليمي على تعزيز العلاقات مع دول الجوار، وخفض الاعتماد على القوى من خارج المنطقة، وتوسيع التعاون الاقتصادي ومجالات الطاقة. هذه الرؤية يمكن أن تسهم في تحقيق الاستقرار الداخلي للعراق وتؤدي تدريجياً إلى عودته إلى موقعه الطبيعي ضمن المعادلات الإقليمية. كما يُعدّ تعزيز المؤسسات الأمنية والشعبية، التي لعبت دوراً مهماً في مكافحة الإرهاب والحفاظ على استقرار البلاد، من أولويات الزيدي، نظراً لقدرتها على أن تكون ركائز أساسية لبنية قوة وطنية راسخة.
ورغم هذا المشهد الإيجابي، لا يمكن إغفال التحديات. فالعراق لا يزال ساحةً لتحرك جماعات وتيارات لا ترتبط مصالحها بالاستقرار والوحدة والهدوء، وبعض هذه القوى، نتيجة ارتباطها بأجندات خارجية مدمّرة أو ببنى الريع السابقة، قد تسعى إلى إفشال مسار الإصلاح عبر افتعال أزمات ظرفية أو ممارسة ضغوط اقتصادية. ومع ذلك، فإن دعم جزء مهم من القوى السياسية، والاحتضان الشعبي، والتعاون النسبي من الأطراف الإقليمية الداعمة للزيدي، يمكن أن يشكّل رصيداً قوياً للحكومة الجديدة كي تواصل برنامجها بثبات أكبر.
وفي المحصّلة، يمكن اعتبار اختيار علي الزيدي نقطة تحوّل في مسار انتقال العراق. فإذا استطاعت الحكومة الجديدة تحقيق توازن بين تطلعات المواطنين، واستحقاقات السياسة الداخلية، وضغوط الخارج، ومستلزمات التنمية الاقتصادية، سيدخل العراق مرحلة تكون فيها الفرص أكثر من التهديدات؛ مرحلة يمكن فيها للبلاد استعادة مكانتها الإقليمية والابتعاد عن ظلال الأزمات الماضية. واليوم يقف العراق على أعتاب تجربة جديدة، قد تكون شاقّة، لكنها يمكن أن تمثّل بداية فصل جديد من الاستقرار والكفاءة والنمو.
0 Comments