المجلس الاستراتيجي أونلاين – رأي: بعد نحو خمسة أشهر من الجمود السياسي والارتباك المؤسسي، جرى أخيراً اختيار علي الزيدي رئيساً لوزراء العراق. ويُعدّ اختيار الزيدي لتولّي منصب رئاسة الوزراء مؤشراً إيجابياً على استكمال مسار تشكيل الحكومة وبداية مرحلة جديدة في السياسة والحكم في العراق. إن بروز شخصية شابة، تكنوقراطية، ومنبثقة من الجيل الثالث من السياسيين، في بيئة ظلّت فيها البلاد تُدار لعقود طويلة من قبل وجوه تقليدية، يبعث الأمل في أن يتمكن العراق من الابتعاد عن الحلقة المتكررة للأزمات، وأن يخوض مساراً جديداً نحو الاستقرار والكفاءة والتقارب الإقليمي.
برسام محمدی – خبیر فی الشؤون الاقلیمیه
علی الزیدی، المولود عام 1986، هو أصغر شخص یُختار رئیساً للوزراء فی العراق. وقد یبدو افتقاره إلى خبره تنفیذیه أو سیاسیه طویله، للوهله الأولى، نقطه ضعف؛ إلا أن هذه السمه ذاتها، فی ظل الظروف الراهنه فی العراق، یمکن أن تتحول بالتأکید إلى نقطه قوه، إذا ما تعزّزت الوحده والتماسک والاستقرار السیاسی حول رئیس الوزراء الشاب.
ومن خلال مراجعه مسار اختیار الزیدی، یتضح أنه لم یکن نتاج صفقات معقده لتقاسم السلطه، ولا صنیعه إرث ثقیل من التناقضات الحزبیه والفئویه. ومن هنا، فإن اختیاره من قبل 11 من أصل 12 من مسؤولی الإطار التنسیقی، یدل على أن جزءاً من الطبقه السیاسیه الحاکمه بات یؤمن بضروره إعاده النظر فی نموذج الحوکمه، والاستفاده من جیل جدید وشاب من المدیرین فی المستویات العلیا؛ جیل یُعدّ، مصدراً لتفکیر عملی وتنموی قائم على الکفاءه، أکثر من کونه منخرطاً فی منافسات استنزافیه.
کما أن الرساله ذات الدلاله التی وجهتها الولایات المتحده إلى رئیس الوزراء الجدید، فتحت أمامه هامشاً جدیداً للمناوره الدبلوماسیه. فالولایات المتحده، بدلاً من التسرع فی اتخاذ مواقف سیاسیه، تترقب اختبار مساره ونهجه. وهذه المسافه الأولیه قد تضع الزیدی فی موقع یسمح له بصیاغه السیاسه الخارجیه العراقیه على أساس المصالح الوطنیه، ولیس نتیجه الضغوط الخارجیه الأمریکیه. وبالطبع، إذا تمکن من الحفاظ على التوازن بین العلاقات الاستراتیجیه مع إیران ومتطلبات التعاون مع الولایات المتحده، فسیکون قادراً على إخراج العراق من أجواء الاستقطاب الثنائی المُنهِک، نحو سیاسه خارجیه متوازنه وهادئه وقابله للتنبؤ؛ وهی سیاسه سیرحب بها کثیر من الشرکاء الإقلیمیین والدولیین.
على الصعید الداخلی، تعهّد الزیدی بإعاده هیکله مرکز السلطه بحیث یخرجها من حاله الترکّز المفرط فی مکتب رئاسه الوزراء، وذلک عبر توزیع الصلاحیات واستحداث نواب للرئیس من دون نفوذ تنفیذی مباشر، بما یتیح مشارکه أوسع وتنسیقاً أکبر بین مختلف التیارات السیاسیه. هذا التوجه یمکن أن یُسهم فی تخفیف التوترات السیاسیه، ویمنع تحوّل موقع رئاسه الوزراء إلى بؤره صراع على النفوذ، ویتیح فی المقابل مجالاً لحکم أکثر استقراراً. فقد أثبتت تجارب السنوات الماضیه أن ترکّز السلطه فی نقطه واحده جعل العراق عرضهً للضغوط الخارجیه والأزمات الاقتصادیه والانقسامات الداخلیه.
ویرتکز المحور الأساسی لبرنامج الزیدی على الإصلاح الاقتصادی وتحسین البنى التحتیه. فبفضل خبرته فی المجالات المالیه والمصرفیه والقانونیه، یدرک تماماً تعقیدات البنیه الاقتصادیه العراقیه غیر الفاعله، التی تعتمد اعتماداً مفرطاً على الإیرادات النفطیه وتبقى هشّه أمام التقلبات الدولیه. ترکیزه على تمکین الکوادر البشریه، ومکافحه الفساد الإداری، واستقطاب الاستثمارات، وتطویر الممرات الاقتصادیه الإقلیمیه، یمکن أن یفتح، إذا نُفّذ فعلاً، مساراً جدیداً نحو تنویع الاقتصاد وخلق فرص عمل.
ورغم أن تحقیق هذه البرامج یتطلب قدراً کبیراً من الاستقرار السیاسی والتنسیق بین المؤسسات، فإن اختیار شخصیه غیر فئویه مثل الزیدی یمنح فرصهً لتقدّم الإصلاحات بمقاومه أقل وإجماع أکبر.
وعلى مستوى أعمق، یمثّل اختیار الزیدی انعکاساً لانتصار إراده وطنیه تسعى إلى التحرر من التبعیه التاریخیه للدول الأجنبیه، والانطلاق نحو مرحله اتخاذ القرار المستقل. القوى السیاسیه الداعمه له تؤمن بأن البلاد تحتاج إلى شخصیه قادره على الصمود أمام الضغوط الخارجیه من دون أن تنجرف نحو العزله أو المغامره.
ومن منظور مؤیدیه، یُنظر إلى الزیدی بوصفه سیاسیاً یدرک أهمیه العمق الاستراتیجی للعراق، وصلاته الإقلیمیه، وضروره التعاون مع دول الجوار، وقادراً على النظر إلى منظومه الأمن الإقلیمی لا کساحه تنافس، بل کشبکه مصالح مشترکه.
وترکّز سیاسه الحکومه الجدیده فی المجال الإقلیمی على تعزیز العلاقات مع دول الجوار، وخفض الاعتماد على القوى من خارج المنطقه، وتوسیع التعاون الاقتصادی ومجالات الطاقه. هذه الرؤیه یمکن أن تسهم فی تحقیق الاستقرار الداخلی للعراق وتؤدی تدریجیاً إلى عودته إلى موقعه الطبیعی ضمن المعادلات الإقلیمیه. کما یُعدّ تعزیز المؤسسات الأمنیه والشعبیه، التی لعبت دوراً مهماً فی مکافحه الإرهاب والحفاظ على استقرار البلاد، من أولویات الزیدی، نظراً لقدرتها على أن تکون رکائز أساسیه لبنیه قوه وطنیه راسخه.
ورغم هذا المشهد الإیجابی، لا یمکن إغفال التحدیات. فالعراق لا یزال ساحهً لتحرک جماعات وتیارات لا ترتبط مصالحها بالاستقرار والوحده والهدوء، وبعض هذه القوى، نتیجه ارتباطها بأجندات خارجیه مدمّره أو ببنى الریع السابقه، قد تسعى إلى إفشال مسار الإصلاح عبر افتعال أزمات ظرفیه أو ممارسه ضغوط اقتصادیه. ومع ذلک، فإن دعم جزء مهم من القوى السیاسیه، والاحتضان الشعبی، والتعاون النسبی من الأطراف الإقلیمیه الداعمه للزیدی، یمکن أن یشکّل رصیداً قویاً للحکومه الجدیده کی تواصل برنامجها بثبات أکبر.
وفی المحصّله، یمکن اعتبار اختیار علی الزیدی نقطه تحوّل فی مسار انتقال العراق. فإذا استطاعت الحکومه الجدیده تحقیق توازن بین تطلعات المواطنین، واستحقاقات السیاسه الداخلیه، وضغوط الخارج، ومستلزمات التنمیه الاقتصادیه، سیدخل العراق مرحله تکون فیها الفرص أکثر من التهدیدات؛ مرحله یمکن فیها للبلاد استعاده مکانتها الإقلیمیه والابتعاد عن ظلال الأزمات الماضیه. والیوم یقف العراق على أعتاب تجربه جدیده، قد تکون شاقّه، لکنها یمکن أن تمثّل بدایه فصل جدید من الاستقرار والکفاءه والنمو.
0 Comments