جدیدترین مطالب
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
أحدث المقالات
المناورات المشتركة بين الصين وروسيا وتبادل خبرات الحرب الأوكرانية؛ رسالة استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: يبدو الإعلان عن إجراء المناورات البحرية السنوية المشتركة بين الصين وروسيا في المحيط الهادئ، للوهلة الأولى، خبراً متكرراً، إذ دأب البلدان خلال السنوات الأخيرة على تنظيم مثل هذه التدريبات بصورة منتظمة. غير أن أهمية هذه المناورات لا تكمن في مجرد انعقادها، بل في موقعها ضمن مسار طويل الأمد يعكس تعميق التعاون العسكري بين موسكو وبكين، وتغير أنماط الردع، والتحرك التدريجي للنظام الدولي نحو بنية متعددة الأقطاب. ومن هذا المنظور، لا تُعد هذه المناورات مجرد تدريب عملياتي على تنفيذ مهمة محددة، بقدر ما تمثل أداة لتوجيه رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.
أوروبا والحرب على إيران التي أدّت إلى الانقسام بين ضفّتي الأطلسي

هادي زيوري ـ خبير في الشؤون الأوروبية
التباعد الاستراتيجي في الجبهة الغربية
النظام عبر الأطلسي، الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية على أساس التوافق الأمني بين أوروبا والولايات المتحدة، يواجه في العقود الأخيرة تصدّعات متزايدة. فالأزمات المتتالية، من العراق إلى أوكرانيا، كشفت تدريجياً أنّ المصالح الاستراتيجية على جانبي الأطلسي لم تعُد متطابقة تماماً. كما أن الحرب على إيران قد دفعت هذا التباين من مستوى الخلافات التكتيكية إلى مستوى التباعد البنيوي.
حتى داخل حلف الناتو، لم يكن هناك استعداد سياسي للدخول في حرب مكلفة ومحفوفة بالمخاطر ضد إيران. وقد تفاقم هذا الوضع في ظل التحديات الداخلية التي تواجهها الولايات المتحدة، وعدم الاتّساق في عملية صنع القرار فيها. كما أن التقارير عن الارتباك في آلية اتخاذ القرار داخل واشنطن زادت من شكوك الأوروبيين.
في المقابل، تواجه أوروبا سلسلة من الأزمات الداخلية التي تحد من قدرتها ورغبتها في الانخراط في حرب جديدة؛ بدءاً من التقلّبات السياسية في أوروبا الشرقية مروراً بعدم الاستقرار في البلقان وانتهاءً بالانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي. وكلّها مؤشرات تدل على أن أوروبا ليست في موقع يسمح لها بخوض مغامرة عسكرية باهظة الكلفة. وتؤكد تحليلات المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) على أن الأولويات الاستراتيجية لأوروبا قد تحوّلت نحو القضايا الاقتصادية والصناعية والمنافسة الجيوسياسية مع القوى الصاعدة.
الاعتبارات الجيوسياسية والاقتصادية
من أبرز الأسباب وراء امتناع أوروبا عن الدخول في الحرب، الاعتبارات الجيوسياسية والاقتصادية. فإيران تمثّل موقعاً محورياً يجعل أي صراع واسع معها ذا تداعياتٍ مباشرة على أمن الطاقة والتجارة العالمية. كما أن مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم، يمكن أن يتحوّل في حال اندلاع حرب إلى نقطة حرجة بالغة الخطورة.
تشير الدراسات الصادرة عن معهد تشاتام هاوس (المعهد الملكي للشؤون الدولية) إلى أن أي اضطراب ولو محدود في هذه المنطقة قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مما يعرّض الاقتصادات الأوروبية ــ التي لا تزال تتعافى من الصدمات السابقة ــ إلى أزمة جديدة. وتؤكد بعض التحليلات أن أوروبا ما زالت في طور إعادة تعريف مكانتها في النظام الدولي، ولا ترغب في التورّط في حرب لا يمكنها التحكّم في تداعياتها.
إلى جانب هذه الملاحظات، لعبت المخاوف من توسّع رقعة الحرب ودخول لاعبين آخرين مثل الصين وروسيا، دوراً مؤثّراً في الموقف الأوروبي، إذ يمكن أن تتحوّل مثل هذه الحرب إلى أزمة متعدّدة المستويات تُحدث تغييراً جذرياً في توازنات القوى العالمية. وبما أن أوروبا تعتمد بشدّة على استقرار النظام الدولي، فهي لا تميل إلى الانجرار إلى هذا السيناريو.
الخلافات مع الكيان الصهيوني والانقسام في سياسة أوروبا تجاه الشرق الأوسط
إنّ امتناع أوروبا عن مرافقة الولايات المتحدة لا يقتصر على اختلافها مع واشنطن فحسب، بل يرتبط أيضاً بعلاقتها المعقّدة مع الكيان الصهيوني. ففي السنوات الأخيرة، تبنّت بعض الدول الأوروبية مواقف أكثر انتقاداً لسياسات الكيان الإسرائيلي. فقد وجّهت دول مثل إسبانيا وبلجيكا انتقادات علنية لسلوك الكيان الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين، ودعت في بعض الأحيان إلى إعادة النظر في العلاقات معها. وقد أصبحت هذه الخلافات، خصوصاً في ظل أجواء الحرب، عاملاً رادعاً يحول دون الاصطفاف الكامل إلى جانب هذا الكيان.
وعلى خلاف الانطباع السائد فإن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والكيان الإسرائيلي، ليست موحّدة أو خالية من التوتر. فتنوع المواقف داخل أوروبا جعل من المستحيل تشكيل جبهة أوروبية واحدة تقف بشكل كامل إلى جانب الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي. وعلى مستوى السياسة الداخلية، فإن الرأي العام في العديد من الدول الأوروبية أكثر حساسية تجاه الانخراط في حرب جديدة في غرب آسيا. كما أن التجارب السابقة، ولا سيّما حرب العراق، دفعت الحكومات إلى تبنّي نهج أكثر حذراً في هذا المجال.
الاستقلال الذاتي الإجباري؛ من خيار إلى ضرورة
إنّ امتناع أوروبا عن المشاركة في الحرب على إيران يجب أن يُفهم ضمن سياق أوسع يشهد اتجاهاً متنامياً نحو تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية. هذا المفهوم، الذي ازداد حضوره في أدبيات السياسة الخارجية الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، يشير إلى السعي لخفض الاعتماد على الولايات المتحدة وتعزيز القدرة على اتخاذ القرار بشكل مستقل.
غير أن ما يتجلّى في الأزمة الأخيرة يتجاوز خياراً واعياً، ليقترب من استقلال ذاتي إجباري. فالقارة الأوروبية باتت عالقة بين واقعين: فهي لا تستطيع اتّباع الولايات المتحدة بشكل كامل، وفي الوقت نفسه لا تمتلك الأدوات الكافية لتجسيد دور مستقل.
يتجه العالم نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، حيث تُعاد صياغة التحالفات التقليدية. وفي هذا السياق، تجد أوروبا نفسها مضطرة إلى الموازنة بين الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة وبين حماية مصالحها الخاصة. ويظهر هذا الوضع بوضوح في التعامل مع إيران، التي كثيراً ما صُوِّرت بصورة سلبية من خلال حملات دعائية منحازة. فأوروبا، وإن كانت قلقة بشأن البرنامج النووي الإيراني، إلا أنها في المقابل لا ترغب في الانجرار إلى حرب باهظة التكاليف. هذه الازدواجية أنتجت مقاربة حذرة ولكن في الوقت ذاته تحمل قدراً من الاستقلالية.
الحرب على إيران، بدلاً من أن تؤدي إلى انسجام وتعزيز الجبهة الغربية، كشفت عن الانقسامات الموجودة داخلها. امتناع أوروبا عن الاصطفاف خلف الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي يعكس تغيرات عميقة في بنية العلاقات عبر الأطلسي. وهذه التحولات لا تقتصر تداعياتها على الأزمات الراهنة، بل قد تؤثر كذلك على شكل النظام الدولي مستقبلاً. وإذا استمر هذا المسار، فقد نشهد بروز أوروبا جديدة بهويةٍ استراتيجية أقدر على الاستقلال، رغم ما يكتنف ذلك من تحديات كبيرة.
0 Comments