المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ حوار: قال خبير في الشؤون الإقليمية: لا يمكن في الوقت الراهن التنبؤ بدقة بشأن ما إذا كانت سوريا، خلال الأشهر الستة إلى السنة القادمة، ستتجه نحو الاستقرار أم ستشهد اندلاع حرب أهلية أخرى.
أكد هادي سيدأفقهي في حواره مع الموقع الالكتروني للمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، أن أوضاع سوريا بعد سقوط بشار الأسد دخلت في نفق مظلم ولا يلوح في الأفق أي أمل لانفراج أو لإرساء النظام والأمن في البلاد، موضحاً: أن الوضع في سوريا هش للغاية؛ فحكومة أحمد الشرع الانتقالية لم تحظَ بعد بالشرعية والقبول لدى عامة السوريين، خاصة في المناطق المتوترة مثل شرق الفرات، أو منطقة السويداء، أو حتى الساحل الغربي الذي تقطنه غالباً الأقلية العلوية.
وأشار إلى الصعوبات التي تواجه الحكومة السورية الحالية في تحقيق الأمن والاستقرار، قائلاً: تعدد مراكز صنع القرار، والتحركات المنفردة للجماعات المسلحة التي تعمل بإرادتها في سوريا وترفض الانضواء تحت سلطة الحكومة الحالية، ومطالبة الفصائل والقوميات الداخلية بحصصهم، إضافة إلى أطماع اللاعبين الإقليميين والدوليين، جميعها من المشكلات التي تعرقل مسار ترسيخ الحكم الجديد في سوريا. وفي الواقع، فإن سياسات الجماعات الداخلية واللاعبين الإقليميين والدوليين تجاه سوريا هي التي سترسم مستقبل هذا البلد.
وأضاف الخبير أن الولايات المتحدة وتركيا والكيان الصهيوني والسعودية وقطر تدعم أحمد الشرع، لكنها لا تزال غير واثقة من قدرته على تحقيق الاستقرار في سوريا، مشيراً إلى أن أحمد الشرع وصل إلى السلطة من دون انتخابات، وإعلانه نفسه رئيساً لسوريا لمدة أربع سنوات قد لا يحظى بقبول الشعب السوري والمجتمع الدولي، وهو أمر لم توافق عليه إلا قلة من الدول التي تطمع في سوريا ومواردها. لذلك، ليس من الممكن لسوريا أن تتفاعل بسهولة مع دول العالم رسمياً وفقاً للمعاهدات الدولية.
وحول سعي الكيان الصهيوني للحصول على امتيازات من الحكومة الحالية في سوريا، قال: الكيان الصهيوني يريد السيطرة على الأوضاع الأمنية والسياسية والجغرافية في سوريا، وهو ما أثار غضب تركيا التي ترى نفسها اللاعب الأكبر المستحق للإمتيازات في الوضع الراهن بسوريا. ومن جانب آخر، تعتزم السعودية ضخ 13 مليار دولار في الاقتصاد السوري من أجل تثبيت وضعه الاقتصادي، ومن الطبيعي أن تسعى من خلال ذلك إلى بسط نفوذها والحصول على امتيازات من سوريا.
وفيما يخص التوترات المتعلقة بمنطقة السويداء والدروز في سوريا، أوضح خبير الشؤون الإقليمية أن “جزءاً من الدروز في السويداء يرفضون الخضوع لهيمنة الكيان الصهيوني، ويسعون بدلاً من ذلك للحصول على حكم ذاتي بضمانات من الولايات المتحدة والسعودية، في الوقت الذي لا يرغبون فيه بالتصادم مع الحكومة السورية الحالية، لضمان استقرار أوضاعهم الأمنية.”
وبشأن احتمال تقسيم سوريا وموقف الكيان الصهيوني من ذلك، قال سيدأفقهي: “يدّعي الكيان الصهيوني أنه لا يريد احتلال كل سوريا، بل يسعى إلى نزع سلاح كامل البلاد وإقامة حزام أمني يمنع أي عمل عسكري ضد الكيان الإسرائيلي، وخاصة في مناطق الجنوب والجنوب الغربي في درعا والسويداء والقنيطرة والجولان.”
وأضاف: “في لقاء استمر أربع ساعات في باريس بين وزير خارجية الحكومة المؤقتة السورية، بوساطة المبعوث الأمريكي الخاص إلى لبنان وسوريا، ووزير الشؤون الاستراتيجية في الكيان الصهيوني، تم التوصل إلى تفاهم يقضي بأن تمنح الحكومة السورية للكيان الصهيوني ضمانات بعدم شن هجمات، مقابل ألا يتذرع هذا الكيان بحماية بعض القوميات والأقليات لشن عدوان على سوريا. كما أن أحمد الشرع يدرك أنه ما لم تفرض الحكومة وقواتها سيطرتها على السويداء والحسكة ودير الزور، فلن تتمكن من بسط سلطتها على كامل سوريا.”
وتابع سيدأفقهي: “إلى جانب الكيان الصهيوني، تتدخل تركيا أيضاً في المسار السياسي – الأمني السوري، وهي تدرك أن الكيان الصهيوني يسعى، بذريعة حماية الأقليتين الكردية والدرزية، إلى السيطرة على مناطق حساسة في سوريا.”
وأكد الخبير: “أن الكيان الإسرائيلي، في هجماته على سوريا، يسعى أولاً لتحقيق أمنه، ثم يأتي اهتمامه بمسائل المياه والاقتصاد. وفي ظل كون أزمة المياه أزمة عالمية، يحاول الكيان الصهيوني تحويل جميع موارد المياه في المنطقة نحو الأراضي المحتلة، وهو ما يشكل مسألة مثيرة للتوتر وخطيرة بالنسبة للشعب السوري.”
وقال موضحاً: “تسعى الولايات المتحدة إلى إرساء الاستقرار وتعزيز مكانة أحمد الشرع في سوريا: ففي اللقاء الذي جمع أحمد الشرع مع ترامب في السعودية، قدّم الشرع كل أشكال التعهدات والضمانات لترامب، وفي المقابل وعد الأخير برفع العقوبات عن سوريا، إلا أن رفع جميع العقوبات، بما فيها عقوبات “قيصر”، يحتاج إلى موافقة الكونغرس.”
وأكد: “أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يترصدان لإقناع أحمد الشرع بإقامة علاقات سياسية مع الكيان الصهيوني والانضمام إلى “اتفاقيات إبراهيم”، حتى يتمكنا من إخضاع سوريا لسيطرتهما، ولذلك فإن الوضع في سوريا يبقى هشاً.”
وأضاف: “من غير الواضح إلى أي مدى سيقبل الشعب السوري بهذا الوضع وخارطة الطريق هذه لسوريا. كثير من السوريين لا يقبلون أن يرفرف علم الكيان الإسرائيلي في بلادهم. هذه حقيقة قائمة، في حين أن الاشتباكات والتوترات ما زالت مستمرة في حلب وإدلب والحسكة.”
وفيما يتعلق بدور روسيا وإمكانية قلب المعادلة لصالحها على ضوء التطورات الأخيرة والهجمات التي شنها الكيان الإسرائيلي على سوريا، قال: “هذا الأمر مستبعد على الأقل في المستقبل القريب، فهناك الكثير من المسائل والمواقف والاستراتيجيات والأدوار التي ينبغي أن تتضح. التفاعلات في سوريا آخذة في التغير، وقريباً سيجري المسؤولون السوريون مفاوضات مع روسيا، ومن المحتمل أن يتغير دور روسيا في مستقبل سوريا، ويبقى أن نرى إلى أي اتجاه ستسير الأمور، مع الإشارة إلى أن من المتوقع أن يجري هذا التفاعل بين سوريا وروسيا بموافقة تركيا.”
ولفت سيدأفقهي إلى “أن السعوديين والإماراتيين لا يرحبون بكون تركيا مطالباً رئيسياً للامتيازات بسوريا، ولا يستقبلون ذلك بحفاوة، بل يسعون لاستغلال أي فرصة لإقصاء تركيا من الساحة السورية، وهو ما قد يعرقل مسار بعض التفاعلات داخل سوريا.”
وختم الخبير الحوار قائلاً: “لا تزال مسألة الجماعات المسلحة غير السورية تمثل معضلة أساسية في البلاد، كما أنه من غير المعروف على وجه التحديد من هي الدول التي تدعمها، ولهذا لا يمكن التنبؤ بدقة ما إذا كانت سوريا ستتجه خلال الأشهر الستة أو السنة القادمة نحو الاستقرار أم نحو اندلاع حرب أهلية جديدة.”
0 Comments