المجلس الإستراتيجي أونلاين ـ حوار: قالت مسؤولة قسم الدراسات التركية في جمعية دراسات غرب آسيا: "تحاول تركيا تجاوز التوترات التي مرت بها مع بعض دول المنطقة وجيرانها في السنوات الماضية، وتضع سياسة الحد من التوتر على جدول أعمالها بجدية. فقد كانت لزيادة التوترات آثار سلبية على اقتصاد البلاد، وأنقرة الآن ليست في وضع يمكنها من تحمل المزيد من التكاليف".
في حوار مع موقع المجلس الإستراتيجي للعلاقات الخارجية، أكدت هانية بناهلو على أن تركيا تسعى إلى دفع سياساتها الإقليمية والأوروبية إلى الأمام وتثبيت موقعها كلاعب رئيسي على المسرح العالمي، وسيستمر هذا النهج بعد التغييرات الناجمة عن انتخابات 2023، موضحة: “أنقرة لا تزال تحاول تعزيز نفوذها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والقوقاز، وفي الوقت الذي تحاول فيه الحفاظ على مصالحها الإستراتيجية تسعى إلى تثبيت مكانتها كوسيط ولاعب مهم وقوة إقليمية، وهذا غالباً ما يؤدي إلى دور لتركيا في الصراعات والأزمات الإقليمية”.
وذكرت أن تركيا تتابع نهجها الكلي في المنطقة بمزيج من البراغماتية والرغبة في المشاركة الفعالة في القضايا الإقليمية، مضيفة: “التركيز على الشرق الأوسط هو أحد الجوانب الرئيسية لهذه السياسة الإقليمية. كما تُظهر جهود الوساطة في النزاعات الإقليمية، مثل أزمة قطر، رغبة ترکیا في لعب دور الوسيط في المنطقة”.
وإذ أشارت المحللة للقضايا التركية إلى علاقات هذا البلد مع دول البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى، قالت: “تحاول تركيا أن تكون جسراً بين أوروبا وآسيا وتضع نفسها كمركز عبور رئيسي للطاقة والتجارة، وتزيد من نفوذها الإقليمي وتكاملها الاقتصادي باستخدام موقعها الإستراتيجي ومشاريعها للبنى التحتية مثل خط أنابيب باكو ـ تبليسي ـ جيهان للنفط وخط أنابيب السيل التركي للغاز الطبيعي”.
وفي معرض حديثها عن الأهمية الإستراتيجية للعلاقات مع العالم العربي خاصة دول الخليج الفارسي بالنسبة لتركيا، أشارت بناهلو إلى تعيين تركيا ومصر سفيريهما الجديدين بعد نحو عقد من قطع العلاقات بين البلدين، مردفة: “في السنوات الماضية، أدت جهود تركيا لاستكشاف الموارد في البحر الأبيض المتوسط إلى تشكيل جبهة موحدة ضد هذا البلد بين مصر والكيان الصهيوني ولبنان وقبرص واليونان، ويسعى أردوغان اليوم لتغيير هذا الوضع. كما تسعى أنقرة إلى الحفاظ على الشراكات الاقتصادية وجذب الاستثمار وتعزيز العلاقات الدبلوماسية مع هذه الدول والكيان الصهيوني”.
وبحسب الخبيرة في الشؤون التركية، فبسبب تحسن علاقات قطر مع الإمارات والسعودية تحاول تركيا تقليص تنافسها مع مصر في ليبيا، وبالنظر إلى التحديات الاقتصادية لم تعد أنقرة مستعدة لدفع ثمن الوجود العسكري في ليبيا. ولهذا استجابت بشكل إيجابي لمطالب مصر بوقف نشاط أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وعدم تمديد تأشيرات بعض قياداتها. ونتيجة لهذه التطورات، نرى فتوراً في علاقات تركيا مع الإخوان، رغم استمرار الدعم لهذه الحركة. وستبقى هذه القضية من بين التحديات المهمة بين البلدين”.
وفي ما يتعلق بانتقادات أردوغان خلال الحملة الانتخابية ضد المواقف الغربية تجاه تركيا وكذلك عدم رغبة الولايات المتحدة في إعادة انتخابه، قالت مسؤولة قسم الدراسات التركية في جمعية دراسات غرب آسيا: “على الرغم من كل هذه الانتقادات، لا تزال تركيا تركز في المقام الأول على رغبتها الطويلة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وبذلت جهوداً كبيرة لمواءمة سياساتها وقوانينها ومؤسساتها مع معايير الاتحاد الأوروبي. رغم ذلك، فإن مواقف هذا البلد والمنافسات التي شكلتها في منطقة البحر المتوسط لا تروق للدول الأوروبية والولايات المتحدة، ونرى دعمهما للجبهة المعارضة لتركيا في تلك الصراعات. لكن على أي حال، من أجل تحسين الوضع الاقتصادي، وبالإضافة إلى جذب رؤوس الأموال من الإمارات والسعودية، تحتاج تركيا إلى اكتشاف الموارد في البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يمكن أن يساعد عليه تحسين العلاقات مع مصر واليونان”.
وأشارت إلى جهود تركيا لدفع المفاوضات مع اليونان إلى الأمام وتخفيف التوترات مع هذا البلد، وتابعت: “تسعى تركيا إلى تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية مع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من أجل تقديم نفسها كشريك موثوق فيه وجسر بين أوروبا والشرق الأوسط في مجال العلاقات الدبلوماسية، وتوسيع التجارة والاستثمار، وتعزيز التعاون في مجالات مثل الطاقة والأمن والهجرة. يعد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أمراً إستراتيجياً للغاية بالنسبة لتركيا، على الرغم من أن مثل هذا التطور له أفق غامض وواجه طريق عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي العديد من التحديات والعقبات وكانت وتيرة الانضمام بطيئة، وكانت هناك خلافات وتوترات بين تركيا والاتحاد الأوروبي”.
أوضحت بناهلو أن التحديات بين تركيا وأوروبا أدت إلى نشوء توجه أكثر تعقيداً واختلافاً في متابعة السياسة الأوروبية من قبل تركيا، مردفة: ” في السنوات الأخيرة، سعت تركيا إلى شراكات وأوجه تعاون بديلة خارج الاتحاد الأوروبي وخاصة في الشرق الأوسط وإفريقيا وأوراسيا. كان هذا التنوع في الشراكات يهدف إلى تحسين الوضع الاقتصادي والسياسي لتركيا وفي نفس الوقت استخدامه كنقطة قوية في مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي”.
وإذ شرحت المحللة للقضايا التركية نهج تركيا في التفاعل مع القوى العالمية الكبرى، وصفت المواقف المتوازنة والمستقلة والبراغماتية بأنها خصائص السياسة الخارجية لتركيا وأشارت إلى التوترات التاريخية وعدم التكافئ الجيوسياسي بين تركيا وروسيا في السنوات الأخيرة، مضيفة: “يحاول أردوغان تطوير علاقات براغماتية وتعاون في مجال الطاقة والدفاع والصراعات الإقليمية بما في ذلك في عملية أستانة المعنية بسوريا. ينبع تفاعل تركيا مع روسيا من الرغبة في تنويع الشراكات وحماية المصالح الأمنية والاستفادة من فرص التعاون الاقتصادي، وتعد وساطة تركيا حالياً في الحرب الروسية – الأوكرانية أحد الأمثلة الواضحة على هذا الهدف. فكما رأينا بعد زيارة زيلينسكي إلى تركيا، أُعلِن على الفور أن المسؤولين الروس أيضاً سيزورون أنقرة”.
ووصفت بناهلو التحديات الاقتصادية بأنها أهم أولوية لدى الحكومة الجديدة في تركيا، مؤكدة: “في العهد الجديد، تحاول تركيا تخفيف حدة التوتر، مع الحفاظ على توازن القوى، والتوجه أينما يتم تأمين مصالحها، وتقليل مشاكلها مع مصر وسوريا من خلال تقليل الإجراءات العسكرية وتجنب التوترات الماضية في الشرق الأوسط. وفي هذا الصدد، كما شهدنا زيادة في أوجه التعاون مع الأردن”.
0 Comments