المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ حوار: قال خبير في شؤون غرب آسيا: إن سياسة الكيان الصهيوني في التسبب بمجاعة للشعب الفلسطيني في قطاع غزة هي سياسة «متعمدة». فهذه السياسة لا تهدف فقط إلى إضعاف المقاومة الفلسطينية، بل تشكل جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد لتغيير النسيج السكاني لهذا القطاع. وقد أعاد التحذير الأخير، الذي أطلقه برنامج الغذاء العالمي بشأن مجاعة وشيكة في غزة، تسليط الضوء العالمي مجدداً على الأزمة الإنسانية المتفاقمة في هذه المنطقة. كما تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من مليوني شخص في غزة يواجهون انعداماً شديداً في الأمن الغذائي، وإن إصرار الكيان الصهيوني على منع دخول المساعدات الإنسانية، قد زاد من حدة هذه الأزمة.
استراتيجية المجاعة المتعمدة للضغط على المقاومة الفلسطينية
قال جعفر قنادباشي في حوار مع موقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، مشيراً إلى أن الكيان الصهيوني تعمد التسبب في مجاعة منذ بداية عدوانه على غزة: إن هذا الإجراء من قبل الكيان الإسرائيلي يهدف إلى تحقيق عدة أهداف رئيسية؛ أولها هو الضغط على حركة حماس للحصول على تنازلات في المفاوضات، خاصة في قضية أسرى الكيان الإسرائيلي، وإجبار الحركة على قبول شروط الكيان في التفاوض. هذا الحصار، الذي يقول برنامج الغذاء العالمي إنه وضع العائلات في غزة على شفا مجاعة تامة، هو جزء من استراتيجية أقصى الضغوط التي ينتهجها الكيان الصهيوني لإضعاف إرادة المقاومة. الهدف الثاني هو منع تحقيق نصر سياسي لحماس في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار. وفقاً لهذا الخبير، فإن الكيان الصهيوني يخشى من أن يُنظر إلى إنهاء القتال دون تحقيق أهدافه العسكرية على أنه نصر للمقاومة في أعين الرأي العام العالمي والإقليمي، ولذلك يستخدم التجويع كأداة للحفاظ على تفوقه السياسي والعسكري.
وأشار إلى دور التيارات المتطرفة داخل حكومة الكيان الصهيوني معتبراً أن هذه السياسة جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد لإخلاء غزة من سكانها. فهذه التيارات، التي كانت قبل اشتداد القتال تطرح أفكاراً لتغيير النسيج السكاني للقطاع، ترى في المجاعة وسيلة لخلق ظروف لا تطاق للفلسطينيين في غزة لإجبارهم على الهجرة والنزوح القسري. ومع ذلك، يؤكد قنادباشي أن مقاومة أهل غزة المتجذرة في هويتهم الوطنية والدينية أحبطت هذا المخطط حتى الآن. كما أن الدعم الإقليمي لفلسطين، خاصة من محور المقاومة، أسهم في تعزيز إرادة أهالي غزة وأفشال هذه الاستراتيجية.
دور المجتمع الدولي: تقاعس أم عدم كفاءة؟
في تحليله لردود الفعل العالمية، أشار قنادباشي إلى موقف المجتمع الدولي المزدوج قائلاً: أصدرت الأمم المتحدة والهيئات التابعة لها، كمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، تقارير حول أزمة المجاعة في غزة، منها تقرير “نظام التصنيف المرحلي المتكامل لمستوى الأمن الغذائي”. هذه التقارير التي تحذّر من خطر مجاعة كارثية لأكثر من مليوني إنسان، تُظهر عمق الكارثة التي اشتدت منذ أكتوبر/تشرين الأول 2024. مع ذلك فإن صناع القرار الرئيسيين في مجلس الأمن الدولي، خاصة الولايات المتحدة، تعرقل اتخاذ أي إجراءات فعالة ضد الكيان الصهيوني بسبب دعمها الاستراتيجي له. وأوضح الخبير أن الولايات المتحدة بصفتها الحليف الرئيسي للكيان الإسرائيلي، تمتنع عن الضغط على هذا الكيان، الذي يتولى دوراً نيابياً لها، لأن إضعاف هذا الكيان يعني تقليل نفوذ واشنطن في غرب آسيا.
رغم هذه العوائق، يرى هذا المحلل أن ضغوط الرأي العام، خاصة في الدول الأوروبية، بدأت تؤثر في المعادلات. فالحركات الطلابية، ووسائل الإعلام غير الرسمية، والاحتجاجات الشعبية تضع الحكومات الغربية في موقف دفاعي أمام نُخبها ومواطنيها. وقد وضعت خمس دول أوروبية مؤخراً مسألة الاعتراف بفلسطين على جدول أعمالها، مما يعكس تأثير الرأي العام على صنع سياساتها. وأكد قنادباشي أن اتساع جرائم الكيان الصهيوني أوصل الاحتجاجات إلى مستوى غير مسبوق، مما وضع هذا الكيان تحت ضغط سياسي وزمني متزايد، لكنه حذّر من أن هذا لم يصل بعد إلى حد يُجبر مسؤولي الكيان الصهيوني، وعلى رأسهم نتنياهو، على وقف سياساتهم.
صمت الدول العربية وتداعياته الإقليمية
حول موقف الدول العربية، أشار قنادباشي إلى تقاعس بعض الحكومات في المنطقة، التي رغم انتمائها العربي والضغوط الداخلية، ظلت صامتة تجاه جرائم الكيان الصهيوني، بل وسّعت من تعاونها الاقتصادي والسياسي مع حلفاء هذا الكيان. وقد أدى هذا التقاعس إلى إضعاف الجبهة العربية في دعم فلسطين، وشجّع الكيان الإسرائيلي على المضي قدماً في سياساته. ومع ذلك، أشار إلى أن بعض الدول العربية، مثل الأردن، أعربت علانية عن معارضتها لممارسات الكيان الاسرائيلي، ما قد يمهد لتحركات دبلوماسية أوسع. وقال قنادباشي أن هذا التباين في المواقف، يعكس وجود انقساماً في الجبهة العربية يصب في مصلحة الكيان الصهيوني.
استراتيجيات المواجهة الفلسطينية وآفاق المستقبل
يرى قنادباشي أن استمرار المجاعة المتعمدة التي يفرضها الكيان الصهيوني على غزة يعتمد على عدة عوامل. فالكيان الصهيوني يسعى من خلال استخدام التجويع كوسيلة لكسر شوكة حماس وإجبارها على قبول شروطه. مع ذلك، فإن تحقيق هذا الهدف يبدو بعيد المنال بسبب طبيعة المقاومة الموحدة والدعم الشعبي الكبير لها. وأكد الخبير: حتى وإن نجح الكيان الإسرائيلي في تحقيق بعض الأهداف قصيرة المدى، كتحرير بعض أسراه، فإنه لن يتمكن من تحقيق هدفه النهائي وهو القضاء التام على حركة حماس. فصمود سكان غزة، المتجذر في هويتهم الدينية والوطنية، يضع هذا الكيان أمام تحدٍ لا يمكن تخطيه.
وفيما يخص دور المنظمات الدولية، أشار قنادباشي إلى فشل مجلس الأمن الدولي بسبب نفوذ الولايات المتحدة. مع ذلك، يعتقد إن الإدانات المتكررة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتحركات القانونية مثل السعي لتصنيف قادة الكيان كـمجرمي حرب من قبل المحكمة الجنائية الدولية، قد اوجدت ضغوطاً كبيرة. هذه الضغوط رغم أنها لم تُحدث بعد تغيراً في سلوك الكيان الإسرائيلي، إلّا إنها فرضت قيوداً على هذا الكيان. كما أكد أن الكيان الصهيوني، في ظل قلق بعض الدول الغربية والعربية من العواقب بعيدة المدى للأزمة، لن يتمكن من مقاومة الضغوط الدولية إلى الأبد.
كما تطرق قنادباشي إلى دور الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في هذه المعادلة مشيراً إلى أن الكيان الإسرائيلي يستفيد من دعم الولايات المتحدة، لكن في حال تزايد الضغوط الدولية، قد يتضاءل هذا الدعم. ومع علمه بهذه القيود يسعى الكيان الاسرائيلي لتحقيق أهدافه قبل حدوث أي تغير محتمل في سياسة الولايات المتحدة. مع ذلك، أكد هذا المحلل أن صمود غزة والدعم الإقليمي لفلسطين قد جعلا أي انتصار دائم للكيان الاسرائيلي أمراً مستحيلًا. كما اعتبر أن مستقبل غزة مرهون بقدرة المقاومة على الصمود في وجه الضغوط والتأييد الدولي المتزايد لفلسطين، الذي قد يفضي تدريجياً إلى تغيير المعادلات لصالح أهالي هذه المنطقة. ويعتقد قنادباشي أن تعزيز الدبلوماسية الإقليمية والاستفادة من الآليات القانونية الدولية، كرفع المزيد من القضايا أمام محكمة العدل الدولية، يمكن أن يمثل أداة فعالة لجذب الانتباه العالمي لانتهاكات حقوق الشعب الفلسطيني.
0 Comments