المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: تواصلت المحادثات المباشرة بين إيران والسعودية، والتي بدأت لأول مرة منذ مارس 2021 بهدف خفض التوترات في العلاقات الثنائية. حتى الآن، استضافت الحكومة العراقية في بغداد خمس جولات من الحوار السياسي بين طهران والرياض. وعلى الرغم من أن المفاوضات لم تؤد بعد إلى نتائج ملموسة، فقد قيَّم الطرفان في مواقفهما بأن أجواء المفاوضات إيجابية وتتجه نحو الأمام.
حميد خوش آيند ـ خبير في القضايا الإقليمية
شهدت الجوله الخامسه من المحادثات التی جرت مؤخراً فوارق کبیره عده مقارنهً بالمحادثات السابقه:
أ) جرت المحادثات فی “جو ایجابی وهادئ”. المحادثات السابقه، التی تأثرت بالتطورات الإقلیمیه، بما فی ذلک الحرب فی الیمن والتطورات الداخلیه فی السعودیه، وخاصه الإجراءات المناهضه للشیعه من قبل القاده السعودیین، عُقدت فی جو بارد للغایه ومخیب للآمال.
ب) عُقدت الجوله الخامسه من المحادثات على مستوى أعلى من الجولات السابقه وحضرها “کبار المسؤولین الأمنیین” فی البلدین. وحضر الاجتماعات مستشار نائب المجلس الأعلى للأمن القومی للجمهوریه الإسلامیه الإیرانیه ورئیس جهاز المخابرات السعودی بصفتهما ممثلین بصلاحیات تامه عن البلدین. کما حضر الاجتماع رئیس الوزراء العراقی مصطفى الکاظمی.
ج) على عکس المحادثات السابقه التی رکزت بشکل أساسی على التطورات الجاریه، لا سیما حرب الیمن، شهدت الجوله الجدیده “رؤیه أوضح لاستئناف العلاقات” وإعاده فتح المراکز القنصلیه والدبلوماسیه.
د) فی هذه الجوله من المحادثات، کان واضحاً تماماً تغییر الموقف و “مرونه السعودیه” فیما یتعلق بتحسین العلاقات الثنائیه فی أسرع وقت ممکن، وتحقیق التفاهم السیاسی وإعاده فتح المراکز الدبلوماسیه.
کانت السمه الرئیسیه للجوله الخامسه من المحادثات هی إنهاء القضایا الأمنیه والترکیز على المفاوضات الفنیه والدبلوماسیه. یمکن أن یؤدی تحسین العلاقات مع إیران، فی الخطوه الأولى، إلى “انفتاحات أمنیه” فی المنطقه، بما فی ذلک فی الملف الیمنی، الذی أصبح فعلیاً مستنقعاً عمیقاً للسعودیین؛ وفی الوقت نفسه، على مستوى العلاقات الثنائیه، وأیضاً یؤدی إلى توفیر فرص جیده للبلدین من خلال تعزیز التعاون فی المجالات الأمنیه والسیاسیه والاقتصادیه والتجاریه وغیرها.
فی هذا الصدد، یجدر الانتباه إلى نقطتین:
أولاً، توجه السیاسه الخارجیه للجمهوریه الإسلامیه الإیرانیه نحو المملکه العربیه السعودیه منذ بدایه الثوره کان یتمتع بمسار “معقول ومنطقی وواقعی” إلى جانب “الاستقرار فی الرأی” من أجل الحفاظ ورقیّ وتعزیز العلاقات والتعاون السیاسی والاقتصادی والثقافی وغیره، ولکن فی حالات نادره، واجهت العلاقه بعض الحرکات التعسفیه.
فی نفس الوقت نرى على الجانب الآخر من هذه العلاقه بأن المملکه العربیه السعودیه لم تتمتع بالرأی المستقر اللازم فی هذا الصدد، بل فضلاً عن ذلک قامت فی فترات مختلفه بأفعال استفزازیه مثل قتل الحجاج الإیرانیین فی منى عام 1987، وممارسه العنف والتمییز ضد الشیعه السعودیین، وانتهاک الخطوط الحمراء الأمنیه والسیاسیه الإیرانیه فی المنطقه وقد بذلت جهوداً للتحریض على الفتنه داخل إیران ومسایره الولایات المتحده والکیان الصهیونی فی مجال الإجراءات المناهضه لإیران (العقوبات، والاغتیالات، و…)، وبذلک سارت نحو قطع العلاقات الدبلوماسیه الثنائیه أیضاً.
الوصف الأکثر دقه الذی یمکن استخدامه لتقییم العلاقات بین طهران والریاض فی التسعین عاماً الماضیه (قبل وبعد الثوره الإسلامیه) هو أن العلاقات بین البلدین شهدت أساساً “صداقات وفترات تعاون عابره وعداوات وتوترات دائمه”.
لقد ساهمت العدید من العوامل فی تدمیر وإضعاف العلاقات الثنائیه، والتی نتجت عن ثلاث فئات من المتغیرات الداخلیه والإقلیمیه والدولیه. یضاف إلى ذلک القضایا الأساسیه (الخلافات حول وجهه نظر قیاده العالم الإسلامی، والتنافس بین الشیعه والسّنه، والتوترات الأیدیولوجیه) والخلافات المتعلقه بالتطورات فی المنطقه.
ثانیاً، على الرغم من أن الاختلافات بین البلدین معقده ومتعدده الطبقات وعمیقه، إلا أنه یمکن حلها؛ شریطه أن یتمتع القاده السعودیین بـ”الإراده والدوافع” الضروریه إلى جانب “حسن النیه” واستقلالیه العمل. على السعودیه ألا تتجاهل العناصر والجهات الفاعله الاقلیمیه والدولیه التی لا ترى استئناف العلاقات السعودیه مع إیران لصالحها؛ الکیان الصهیونی على رأس الجهات والعناصر المذکوره ویسعى بأی شکل من الأشکال إلى “خلق العقبات” وعرقله طریق تحسین العلاقات بین البلدین.
إن السلوک النفعی والتجاری للولایات المتحده، من ناحیه، والضعف الأمنی المتزاید لبعض الأنظمه والشرکاء الإقلیمیین للریاض، الذی أضعف المملکه العربیه السعودیه من ناحیه أخرى، دفع الریاض إلى اللجوء إلى الترتیبات الإقلیمیه، وخاصه الحوار مع إیران، باعتبارهما المناص الوحید لحلحله المشاکل المحلیه والإقلیمیه فی السعودیه.
کما أظهرت الجمهوریه الإسلامیه الإیرانیه أنها تبذل جهوداً فعاله لحل مشاکل البلدان التی تبنی الثقه وتبدی حسن النیه. خلافاً لوجهات النظر السائده فی بعض الأوساط السیاسیه والإعلامیه الإقلیمیه والدولیه، فإن إیران دوله “مسالمه” وترحب وتبادر بأی مباحثات “هادفه للنتائج” وتؤدی إلى الاستقرار والأمن الإقلیمیین مع الحفاظ على خطوطها الحمراء.
وأخیراً، من المتوقع أن تغتنم المملکه العربیه السعودیه “الفرصه الفریده” التی اتیحت عبر الحوار والتفاعل مع الجمهوریه الإسلامیه الإیرانیه وأن تستفید منها. لأن باب الحوار والتسویه لا یبقى مفتوحاً إلى الأبد، وإطاله أمد عملیه التفاوض على أمل الاستغلال السیاسی والأمنی لن یحقق المصالح المشترکه.
0 Comments