المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: في 9 يونيو (حزيران)، انتهت اتفاقية البترودولار بين السعودية والولايات المتحدة، وأعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أن الرياض لن تجدد الاتفاقية التي كانت مدتها 50 عاماً وساعدت في الحفاظ على هيمنة الدولار الأمريكي في التجارة الدولية. ويسمح هذا الإجراء للرياض ببيع النفط بعملات مختلفة، بما في ذلك اليوان واليورو والين وغيرها، بدلاً من الدولار
الدکتور کامران کرمی ـ خبیر فی شؤون شبه الجزیره العربیه
تم إبرام اتفاقیه البترودولار السعودیه – الأمریکیه بعد الأزمه النفطیه عام 1973. ودفعت هذه الصیغه الریاض إلى تسعیر صادراتها النفطیه حصریاً بالدولار الأمریکی واستثمار فائض عائدات النفط فی سندات الخزانه الأمریکیه على أن تقدم واشنطن فی المقابل الدعم العسکری للمملکه العربیه السعودیه دون الالتزام بمعاهده رسمیه.
إن عدم تجدید هذه الاتفاقیه النفطیه الاستراتیجیه، فی حال تحققها، یکشف عن عده حقائق مهمه فی العملیه المزدوجه المتمثله فی التآکل ـ تنامی الدور التنافس الأمریکی الصینی على مستوى النظام الدولی:
الحقیقه الأولى؛ هی تحول الصین إلى الشریک التجاری النفطی الأول للمملکه العربیه السعودیه، مما رفع مشتریاتها النفطیه من المملکه إلى ما یقرب من 3 ملایین برمیل یومیاً. فی الوقت نفسه، فإن نمو التجاره غیر النفطیه فی إطار اتفاقیه الشراکه الاستراتیجیه الشامله وتداخل مبادره الحزام والطریق مع مبادره السعودیه 2030 وحرص الجانبین على استکمال التجاره الحره مع مجلس التعاون، قد جعل من الصین الشریک الأول للاقتصاد السیاسی للمملکه العربیه السعودیه.
أما الحقیقه الثانیه؛ والتی تتماشى مع تنامی دور الصین فی الاتجاهات الدولیه الناشئه وتحول تدفق رؤوس الأموال نحو الشرق، فهی تآکل الدور السیاسی والاقتصادی للولایات المتحده بالنسبه للسعودیه والدول العربیه. یعتبر انخفاض واردات النفط الأمریکیه من السعودیه إلى أقل من 300 ألف برمیل انعکاساً واضحاً لهذا التطور المهم. فی مثل هذا الواقع، فإن تحول الولایات المتحده إلى الشریک الاقتصادی الخامس للمملکه العربیه السعودیه بعد الصین والاتحاد الأوروبی والیابان والهند هو جزء آخر من التغیرات المهمه فی الاقتصاد السیاسی الدولی للخلیج الفارسی. إن اقتصار دور الولایات المتحده على توفیر الأسلحه المتطوره وبعض المشاورات الأمنیه الاستخباراتیه یعکس تنویع السعودیه مجموعه شرکائها الدولیین.
نتیجه للتفاعل بین هاتین الحقیقتین ینبغی الإشاره عده نقاط مهمه:
أولاً؛ الصین، فی إطار منافستها العالمیه والتی یعد أحد جوانبها الأساسیه هیمنه المؤسسات والآلیات المالیه العالمیه، بحاجه أساسیه إلى عولمه الیوان. وقد کثفت بکین منذ فتره طویله الضغط على شرکائها النفطیین لتسویه جزء کبیر من تجارتهم النفطیه وغیر النفطیه بعملات أخرى غیر الدولار. وبطبیعه الحال، سیکون على السعودیه أن تعالج المخاوف والاعتبارات والأهم من ذلک، الضغوط التی تمارسها الصین، من خلال تغییر سلتها المالیه.
ثانیاً؛ إن تغیر مشهد الطاقه نحو الطاقات المتجدده جعل المملکه العربیه السعودیه أکثر وعیاً بهذا التطور مقارنه بالجهات الفاعله الأخرى، ونتیجه لذلک بدأت تأخذ استعدادتها للصدمات الناجمه عن هذا التحول بدءاً من تغییر تسویق النفط، مروراً بتسعیره، وصولاً إلى اعتماد العملات الجدیده، والأهم من ذلک الاستثمار فی الطاقه المتجدده من الغاز والطاقه النوویه والهیدروجین الأخضر کلها خطوات تشکل جزءاً من مبادره 2030.
ثالثاً؛ إن النفوذ المتزاید للاقتصادات الناشئه الذی تجلى فی کتله البریکس هو جزء آخر من الاتجاهات المتغیره فی الاقتصاد السیاسی الدولی، والتی تذکّر الجهات الفاعله بالحاجه الملحه إلى إنشاء آلیات مالیه بدیله، بالنظر إلى نطاق العقوبات الأمریکیه.
رابعاً؛ تحاول السعودیه استخدام هذه القضیه کورقه فی علاقاتها المضطربه مع الولایات المتحده. بمعنى أنه فی غیاب مظله الدعم الأمریکی فی المجالین العسکری والأمنی، یمکن أن تتغیر مجالات أخرى أیضاً. ویبدو أن السعودیین یحاولون فی الوقت الراهن استخدام مؤشرات التباعد لإتمام الاتفاقیه العسکریه الرسمیه مع الولایات المتحده.
وأخیراً، تجدر الإشاره إلى أن مسار التخلی عن الدولار حالیاً هو فی بدایته ویجب اعتباره جزءاً من رؤیه مستقبلیه ولیس أمراً قائماً بالفعل فی الوقت الحاضر. الحقیقه هی أن ما یقرب من 80% من مبیعات النفط العالمیه لا تزال مسعره بالدولار، و20% بعملات أخرى. ورغم أن المسار اکتسب سرعه کبیره، إلا أن الطریق لا یزال طویلاً أمام التخلی عن الدولار وإنشاء نظام مالی بدیل.
0 Comments