المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: أثار توسّع مجموعة بريكس، لا سيما مع انضمام قوى مؤثّرة مثل إيران، والسعودية، والإمارات ومصر، موجةً من القلق داخل محافل صنع السياسات في الولايات المتحدة، خصوصاً بين الأوساط المحافظة التي يُجسّدها دونالد ترامب. هذا القلق لا ينبع فقط من ازدياد عدد الأعضاء، بل من قدرة هذا التحالف على تحدّي النظامين الاقتصادي والسياسي بقيادة الغرب، خاصة المكانة الاحتكارية للدولار بوصفه عملة احتياطية وتداول عالمية.
أمین رضائی نجاد ـ خبیر فی الشؤون الدولیه
دأب ترامب على التهدید بفرض مزید من الرسوم الجمرکیه على الدول الأعضاء فی مجموعه بریکس، وقد أظهر بشکلٍ واضح مخاوفه من إضعاف الدولار باعتباره رکیزه القیاده الاقتصادیه العالمیه. فالقوه العالمیه للولایات المتحده فی العقود الأخیره لم ترتکز على القدرات العسکریه فقط، بل على الهیمنه دون منازع للدولار، وأی محاوله جدیه لتقلیل الاعتماد علیه تُعدّ مساساً بإحدى الرکائز الأساسیه للقوه العظمى للولایات المتحده.
إن تقلیص الاعتماد على الدولار فی التجاره العالمیه واحتیاطیات العملات الأجنبیه ستکون له تداعیات عمیقه ومتعدده الأبعاد على الولایات المتحده. أهمّ هذه التداعیات یتمثل فی فقدان “امتیاز الدَّین” غیر العادل، الذی یسمح للولایات المتحده بتمویل العجوزات التجاریه والمیزانیه الضخمه من خلال طباعه الدولار دون مواجهه تضخم حاد على المدى القصیر. کما أن ضعف الطلب العالمی على الدولار سیزید من تکلفه اقتراض الحکومه ویُحد من مرونتها المالیه. ومن الناحیه السیاسیه، فإن إحدى أدوات الضغط الأساسیه التی تملکها الولایات المتحده، وهی العقوبات المالیه القائمه على هیمنه الدولار والنُّظم المالیه المرتبطه به (مثل نظام سویفت)، ستفقد فعالیتها بشکل ملحوظ. وسیؤدی هذا إلى تراجع قدره واشنطن على ممارسه ضغوط أحادیه الجانب وتقلیص نفوذها الجیوسیاسی بشکل عام.
تستخدم مجموعه بریکس مجموعه من الأدوات والآلیات الأساسیه لمواجهه هیمنه الدولار. أولاً؛ تعزیز التجاره الثنائیه بالعملات المحلیه بین الأعضاء (مثل الاتفاقیات بین الصین وروسیا أو الصین والبرازیل)، والتی تلغی الحاجه إلى الدولار فی المعاملات. ثانیاً؛ توسیع اتفاقیات المقایضه (Swap) بین البنوک المرکزیه لتسهیل المبادلات دون الحاجه إلى الدولار، وزیاده سیوله العملات الوطنیه. ثالثاً؛ تقویه أنظمه الدفع البدیله مثل نظام تحویل الرسائل المالیه (SPFS) الروسی ونظام الدفع بین البنوک عبر الحدود (CIPS) الصینی بهدف الالتفاف على شبکه سویفت. رابعاً؛ رفع نسبه الذهب فی الاحتیاطیات النقدیه بوصفه دعامه مستقله عن الدولار. خامساً؛ طرح أفکار طموحه مثل إنشاء عمله رقمیه مشترکه أو آلیه تسویه مشترکه قائمه على تقنیّه “البلوک تشین”، إلى جانب تطویر مؤسسات مالیه مستقله مثل بنک التنمیه الجدید (NDB) لتمویل المشاریع وإصدار السندات بالعملات المحلیه خارج النظام القائم على الدولار.
مع ذلک، تواجه مجموعه بریکس تحدّیات داخلیه، خصوصاً تضارب المصالح والتنافس الجیوسیاسی بین بعض أعضائها، مثل الصین والهند، ما یُشکّل عائقاً حقیقیاً أمام تحقیق هذه الأهداف بشکل موحد. الخلافات الحدودیه، والتنافس فی مناطق النفوذ، ومخاوف الهند من نزعه الهیمنه الصینیه، قد تُبطئ عملیه اتخاذ القرار أو تؤدی إلى مصالحات فی حدها الأدنى. وبینما ترغب الصین فی تحویل بریکس إلى أداه ضغط ضد الغرب، تمیل الهند وبعض الأعضاء الآخرین إلى اتباع نهج أکثر توازناً حتى لا تضرّ بعلاقاتها مع الغرب. وبالتالی، فإن نجاح هذا التحالف مرهون بإداره تلک الخلافات والبحث عن أرضیات مشترکه عملیه تتجاوز الشعارات المعادیه للولایات المتحده.
إن انضمام دول نفطیه محوریه مثل السعودیه، والإمارات وإیران إلى مجموعه بریکس یحمل قدره کبیره على إحداث تحوّل فی سوق الطاقه والجغرافیا السیاسیه العالمیه. فامتلاک التحالف لحوالی 47٪ من إنتاج النفط العالمی یمنحه قدره غیر مسبوقه على التأثیر فی قواعد اللعبه ضمن هذا السوق. ویمکن لبیع النفط بعملات غیر الدولار أن یوجّه ضربه تاریخیه إلى الدولار کعمله مرجعیه للطاقه. کما أن التنسیق الأکبر بین المنتجین داخل المجموعه قد یؤثر فی تسعیر الطاقه وتدفقاتها ویغیّر توازن القوى فی الخلیج الفارسی والعالم.
کما أن معارضه ترامب الشدیده لفکره إصدار عمله رقمیه للبنوک المرکزیه (CBDC) فی الولایات المتحده مرتبطه مباشره بمخاوفه من تقویض مکانه الدولار. فهو یرى فی هذه العمله تهدیداً للحریات المالیه ووسیله لتعزیز سیطره الدوله، کما یخشى بشده من أن یؤدی تأخر الولایات المتحده فی تطویر هذه التکنولوجیا إلى منح الفرصه لمنافسیها، وخصوصاً الصین ومشاریع بریکس المحتمله، لفرض معاییر جدیده فی نظام الدفع الرقمی وتقلیص حصه الدولار. وإذا ما نجحت مجموعه بریکس فی إطلاق عمله موحده أو شبکه مالیه مستقله وفعّاله، فإن رد فعل الولایات المتحده وحلفاءها الغربیین سیکون على الأرجح عدائیاً، وقد یشمل فرض عقوبات أوسع، وضغوطاً دبلوماسیه متزایده، وقیوداً مالیه، وزیاده الرسوم الجمرکیه التجاریه ضد الدول والمؤسسات المنخرطه.
سیستغل الغرب جمیع أدوات ضغطه المتاحه للحفاظ على الوضع القائم، رغم أن الحجم الاقتصادی، والتعداد السکانی الکبیر، ووفره مصادر الطاقه لأعضاء بریکس ستجعل من الصعب تحقیق نفس مستوى التأثیر کما فی السابق.
وفی الختام، ورغم التحدّیات الداخلیه التی لا تزال تواجه بریکس على صعید الانسجام وتنفیذ المشاریع، إلا أن توسّعها یُعدّ مؤشّراً على التراجع التدریجی للنظام أحادی القطب بقیاده الولایات المتحده. وإن نجاح هذا التحالف مشروط بقدرته على إداره خلافات أعضائه وتقدیم حلول عملیه لتقلیص الاعتماد على الدولار. وحتى دون أن یتحوّل إلى تکتّل موحّد تماماً، فإن مجموعه بریکس باتت لاعباً رئیسیاً فی الانتقال نحو نظام عالمی متعدد الأقطاب سیشکل مستقبل النظام الدولی.
0 Comments