المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ حوار: اعتبر محلل للقضايا الدولية، التنافس بين الإمارات والسعودية فيما يتعلق بالوساطة لحل الأزمة الأوكرانية جزءً من الاستراتيجية التنافسية للبلدين في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والجيوسياسية بهدف توسع النفوذ وخلق القوة الناعمة في المنطقة، والعالم، وخاصة في مراكز القوى الدولية، وقال: إن السعودية لديها وزن ونفوذ أكبر لأداء الدور في هذا الإطار.
فی حدیث مع موقع المجلس الاستراتیجی للعلاقات الخارجیه، أشار صابر غُل عنبری: منذ حوالی عقد من الزمان، ومع صعود محمد بن سلمان إلى السلطه، اشتد التنافس بین الأمراء فی مشیخات المنطقه. المنافسه التی زادت تدریجیاً فی السنوات الأخیره. وکانت الأزمه مع قطر وحصارها الذی دام ثلاث سنوات، قبل أن تکون منبعثهً عن الخلافات والتوترات الناجمه عن تضارب وجهات النظر والمصالح خلال الربیع العربی، هی من نتاج هذا التنافس الذی اتخذ جانب العداء الشخصی بین الأمراء.
مستذکراً أنه فی عهد الشیخ حمد ونجله الشیخ تمیم، أصبحت قطر قوه اقتصادیه وإعلامیه وفاعلاً سیاسیاً ولاعباً مهماً فی المنطقه واکتسبت هذه الدوله نفوذاً متزایداً فی مراکز القوى العالمیه، وأوضح: هذه المکانه لقطر أثارت استیاء الإمارات والسعودیه.
وذکر هذا الخبیر فی القضایا الدولیه أن انتهاء الأزمه مع قطر فی “قمه العلا للمصالحه” فی السعودیه فی ینایر/کانون الثانی 2021، أثار نوعاً من التوتر بین محمد بن سلمان و محمد بن زاید، وتابع: على الرغم من أن الإمارات، کان لدیها بعض الملاحظات حیال هذه القضیه، ومازالت لم ترغب بهذه المصالحه، إلا أن محمد بن سلمان اتخذ هذه السیاسه کمخرج فی مواجهه التداعیات العالمیه لاغتیال جمال خاشقجی. وبطبیعه الحال، کانت هناک أسباب ودوافع أخرى.
وأشار غُل عنبری إلى أن التوتر بین الإمارات والسعودیه إزداد مع مرور الوقت وخاصه فی العامین الماضیین وذلک تحت تأثیر سلسله من العوامل الأخرى، مثل الخلافات فی قضیه الیمن، والمنافسه الاقتصادیه الکلیه بین الجانبین وخطط بن سلمان الطموحه التی یستهدف بعضها فعلیاً مکانه الإمارات لمرکزها التجاری فی المنطقه وأضاف: بالتوازی مع اشتداد التنافس والتوتر، تضاءلت أیضاً مجالات التعاون إلى حد ما، وهذه القضیه نفسها زادت من حده الأمر. على سبیل المثال، فی العقد الأخیر، أدت تطورات الربیع العربی وقلق الإمارات والسعودیه منها وعدائهما لهذه الثورات وصراعهما مع قطر، إلى تعاون واسع بین الریاض وأبو ظبی لدرء هذه التهدیدات المشترکه، لکن مع تتابع سقوط الثورات العربیه وحرکات الإسلام السیاسی، أصبح هذا المجال من التعاون ضئیلاً.
وقال: فی سیاق هذا التنافس المحتدم، نشهد أیضاً نوعاً من التنافس الدبلوماسی بین البلدین، له أبعاد وأشکال مختلفه، من عقد لقاءات ثنائیه ومتعدده الأطراف مع مختلف الدول والمنظمات الإقلیمیه والدولیه إلى الوساطه ولعب الدور فی قضایا إقلیمیه ودولیه مهمه، بما فی ذلک قضیه حرب أوکرانیا.
وشدد على أنه لیس صحیحاً أن المنافسه هی العنصر الوحید فی صنع السیاسات فی هاتین الدولتین، وأوضح قائلاً: إن هاتین الدولتین تطور خططها وسیاساتها الکلیه فی مختلف المجالات وفقاً لقدراتها وفرصها، والمنافسه لیست سوى واحده من بین مختلف المحرکات والدوافع. ویجب أن لا نتجاهل حقیقه أن التنمیه الاقتصادیه والدور الخارجی المتزاید لمثلث السعودیه وقطر والإمارات کانا إلى حد ما نتیجه لهذه المنافسات، التی اتخذت فی بعض الأحیان أشکالا متوتره.
ووصف غل عنبری الإمارات والسعودیه بأنهما الدولتان اللتان استفادتا أکثر من هذا الوضع الدولی بعد بدء الحرب الأوکرانیه وقال: عدا الأرباح الکبیره لهاتین الدولتین بسبب ارتفاع سعر النفط العالمی فی بعض الأحیان خلال العامین الماضیین، حصلت دوله الإمارات على أکبر فائده اقتصادیه من هذه الحرب. فمن ناحیه، لم تنضم إلى العقوبات الغربیه ضد روسیا، ومن ناحیه أخرى، أصبحت وجهه الملیونیرات والرأسمالیین ورجال الأعمال الروس، وقد نقلوا معظم أعمالهم إلى الإمارات. وفی هذا السیاق، لم تستفد السعودیه بقدر ما استفادت منه الإمارات.
وذکر أن هذا الملف أصبح ساحه تنافسیه بین السعودیه والإمارات لعرض قدراتهما وإمکانیاتهما الناعمه وتعزیزها، مما أدى إلى خلق نوع من التوازن خاصه فی السنوات الأخیره فی العلاقات مع الشرق والغرب وصرح قائلاً: فی فبرایر/ شباط الماضی، بعد أن نجحت دوله الإمارات العربیه المتحده فی إبرام اتفاق تبادل 200 أسیر بین الجانبین فی وساطه استضافت خلالها وفدان من أوکرانیا وروسیا، أبرمت السعودیه أیضاً اتفاقاً لتبادل الأسرى بینهما فی وساطه مماثله فی أکتوبر/تشرین الأول الماضی. لکن الأهم من ذلک هو أن الجانبین یحاولان التوسط لبدء عملیه دبلوماسیه بین روسیا وأوکرانیا.
وأشار غل عنبری إلى إعلان رئیس دوله الإمارات استعداده للتوسط فی حرب أوکرانیا خلال زیارته إلى سان بطرسبرغ فی یونیو/حزیران الماضی وخلال لقائه مع بوتین وأضاف: هناک جهد أکثر جدیه فی هذا المجال والذی یتمتع بنوع من الارتیاح من قبل الکتله الغربیه، یتم من الجانب السعودی، ویثبت هذا الادعاء عقد الاجتماع الأخیر لمحادثات سلام أوکرانیا فی جده بمشارکه أکثر من 40 دوله، دون دعوه روسیا. وبطبیعه الحال، امتد التنافس فی هذه الحاله إلى وسائل الإعلام الداعمه للجانبین، وشاهدنا انتقادات وهجمات فی وسائل الإعلام الغربیه والإقلیمیه المقربه من الإمارات ضد اجتماع جده.
وأضاف هذا الخبیر فی القضایا الدولیه، مذکراً بأن قدرات السعودیه وأدوات ضغطها فی هذا الملف، أکثر ثقلاً وقال: السعودیه لأسباب مختلفه مثل موقعها الأکثر أهمیه فی العالم العربی والإسلامی وکذلک الاقتصاد الدولی باعتبارها أکبر دوله مصدره للنفط فی العالم وماتتمتع به من نفوذ وقوه ناعمه فی مراکز القوى الغربیه، فإنها تتمتع بقدره مناوره أکثر ولها أمکانیه أقوى لحشد سائر الدول لکسب الدعم الإقلیمی والدولی لمبادره الوساطه فی هذه القضیه الحساسه. رغم أن هذه الوساطات حالیاً فی مراحلها الأولى ومن غیر المرجح أن یحدث أی شیء خاص فی هذا الصدد فی المستقبل القریب.
وقال: مع افتراض أن هذه الحرب ستنتهی عبر الوساطه بطرق مختلفه، ولیس نتیجه مفاوضات مباشره بین أمریکا وروسیا، فإن الجهات الفاعله مثل السعودیه وترکیا لدیها الحظ الأوفر فی هذه الوساطه. إن أی جهه فاعله من الکتله الغربیه منخرطه فی الحرب من غیر الممکن أن تکون فی موقع الوساطه. فالغرب لا یحب وساطه الصین، کما أن جنوب أفریقیا والاتحاد الأفریقی لا یملکان ما یکفی من الإمکانیات والقوه الناعمه لدفع مبادرتهما إلى الأمام.
وذکر غل عنبری أنه بالنظر إلى تعدد القضایا التی تمت مناقشتها بین الولایات المتحده والسعودیه، وعلى رأسها تطبیع العلاقات بین الریاض وتل أبیب، فمن غیر المستبعد أن تدعم واشنطن وساطه السعودیه واستضافتها فی قضیه الحرب الأوکرانیه فی إطار تبادل کبیر، وتابع قائلاً: من ناحیه أخرى، من غیر المرجح أن تعارض روسیا أیضاً دور الوساطه المحتمل للمملکه العربیه السعودیه فی المستقبل.
0 Comments