المجلس الاستراتيجي، آنلاين، تقرير: أعلن الناطق باسم الخارجية الروسية مؤخراً أن روسيا تستعد للتعامل مع مخطط حذفها وإلغائها من نظام «سويفت» الدولي للتحويلات المالية، حيث جاء هذا الموقف الرسمي الروسي كرد فعل على البيان الصادر عن البرلمان الأوروبي بشأن قطع ارتباط روسيا بنظام سويفت الدولي في حالة استمرار الاعتداء الروسي على أوكرانيا. والسؤال المطروح هنا هو: هل يمكن تنفيذ هذه الخطوة الروسية؟ وما هي الآثار التي ستتركها هذه الخطوة على نظام سويفت والتجارة الدولية؟ وما هي جذور هذا القرار وما هو احتمال أن تلجأ الدول المعنية بنظام سويفت إلى خيار الحظر ومغادرة هذا النظام؟
رضا مجيد زادة – الباحث المختص في الاقتصاد السياسي التنموي
«سویفت» یعنی النظام الدولی للتبادل المالی بین المصارف ویهدف إلى إحلال أسلوب تبادل مالی یعتمد على المعاییر العالمیه بدل الأسالیب التقلیدیه الکلاسیکیه للتبادل المالی من خلال الوثائق الورقیه. ویبلغ عدد أعضاء هذا النظام 209 دوله ویتم خلاله إنجاز ما یناهز 30 ملیون عملیه تبادل مالی یومیاً، لذلک فلو أن دوله ما أرادت أن تخرج من نظام سویفت أو ان تقطع ارتباطها معه فهذا یعنی أن علیها أن تقنع شرکاءها التجاریین المهمین من بین 209 دوله عضوه فی النظام بأن ینجزوا تبادلاتهم المالیه خارج نظام سویفت، وبعباره أخرى فإن هذا الکلام یعنی تشجیع الشرکاء التجاریین للقیام بعملیه التبادل المالی بالأسالیب التقلیدیه وغیر الرسمیه المعروفه حیث أن أهم خصائصها هو زیاده المجازفه فی التبادل المالی والتعامل مع العمله الصعبه.
تعتبر الصین وألمانیا وهولندا وبیلاروسیا (روسیا البیضاء) وإیطالیا من أهم الشرکاء التجاریین لروسیا، حیث یبلغ حجم التجاره الخارجیه الروسیه مع الصین وحدها أکثر من 110 ملیار دولار سنویاً وبشکل متناصف بین الدولتین.
أما فیما یخص حجم التبادل التجاری الروسی مع ألمانیا فهو یبلغ حوالی نصف حجم التبادل التجاری مع الصین.
ونظراً لمکانه ألمانیا وإیطالیا وهولندا ودورها المؤثر فی الاتحاد الأوروبی، فإن روسیا إن رغبت بالخروج من نظام سویفت أو قطعت الاتصال به فإنها ستفقد عملیاً ثلاثه من أهم شرکائها التجاریین الرئیسیین وهی ألمانیا وهولندا وإیطالیا التی یبلغ مجموع حجم تجارتها مع روسیا أکثر من 130 ملیار دولار سنویاً وهو أکثر من حجم التبادل التجاری السنوی بین روسیا والصین.
إن هذه الإحصاءات تعنی من ناحیه أخرى خساره ثلاث دول مهمه لسوق واسعه وکبیره لتصریف سلعها التجاریه، لذلک یمکننا أن نشک فی مدى استمرار هذا الوضع المالی غیر الطبیعی بل یبدو أنه سیکون مؤقتاً أو من الممکن أن نعتبره نوعاً من التهدید لروسیا لتعید النظر فی سیاستها المتخذه ضد أوکرانیا، هذا الموضوع الذی أثار حساسیه الدول الأوروبیه منذ العام 2006 بسبب توقف ضخ الغاز الروسی إلى أوروبا عبر الأراضی الأوکرانیه.
کذلک لو کان الترکیز الروسی على الصین فحسب، فإن هذه الدوله تواجه عملیاً نفس هذه المعادلات مع تفاوت بسیط وهو أن الصین لدیها تبادل تجاری واسع مع الولایات المتحده الأمیرکیه وإن التنافس الاقتصادی الصینی مع أمیرکا لا یتناسب مع خروجها من نظام سویفت للتبادل المالی، لذلک یمکن اعتبار موقف وزاره الخارجیه الروسیه بمثابه تحذیر أکثر مما هو خبر!
ونظراً للتنافس الجاد الموجود على الساحه الدولیه فإن خروج أی دوله من نظام التبادل التجاری الواسع مثل سویفت یعنی منح فرصه نادره للاقتصادات المنافسه حتى تهیمن على الموقع الذی کانت تتمتع به هذه الدوله وإن استعاده تلک المکانه الأولى لیس بالأمر السهل، رغم أن هناک احتمالاً بأن تفکر دول أخرى بمثل هذه الخطوه، ولکن التجربه العملیه خلال السنوات الأخیره الماضیه أثبتت أن التحذیرات المتعدده والمتکرره التی أصدرتها روسیا والصین من أنهما تنویان حذف سویف أو استبداله بنظام مالی آخر لم تنفذ أبداً، وهذا یدل على أن الخروج من نظام سویفت کان تهدیداً متبادلاً من قبل روسیا لیس أکثر حیث أنه لا یمکن تحقیقه فی الإطار العام لنظام التبادل الاقتصادی – المالی السائد حالیاً إلا فی حاله واحده وهی أن تتحمل الدوله التی ترغب بالخروج من هذا النظام الکلفه الباهضه لمثل هذا القرار.
0 Comments