المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ مذكرة: بعد الحرب العالمية الثانية، لعبت هيمنة النظام المالي العالمي القائم على الدولار دوراً حاسماً في التفوق الاقتصادي للولايات المتحدة في النظام الدولي. في الوقت نفسه، كانت هذه الأداة الاقتصادية فعالة جداً في دفع وتمرير أجندات واشنطن السياسية والجيوسياسية، لكن هذا المسار واجه موجة واسعة من السخط مع ظهور أقطاب قوة جديدة في النظام الدولي، تلك الدول التي تجد نفسها عُرضةً لهذه الأداة ولاسيما مع تزايد الأحادية الأمريكية التي تتمثل في شكل عقوبات اقتصادية.
محمد جواد قهرماني - دكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة طهران
أدت موجه السخط هذه إلى قیام جهات فاعله مختلفه على مستوى الفکر والأداء، بتعریف الخروج من هذه الهیمنه کهدف رئیس لأنفسهم. و یتجلى هذا بشکل خاص لدى الدول التی استهدفتها العقوبات الأمریکیه أکثر من غیرها. أعلنت دول مثل روسیا والصین عن رغبتها فی القضاء على الدولار أو تقلیص دوره مع تصاعد التوترات والمنافسه بین الشرق والغرب. أعلن وزیر الخارجیه الروسی سیرغی لافروف، قبل زیارته للصین فی مارس التی استغرقت یومین، ضروره تقلیل اعتماد البلدین على الدولار الأمریکی وأنظمه الدفع الغربیه. وإن لم یقتصر هذا الأمر على الصین وروسیا. على سبیل المثال ترید دول البریکس تطویر نظام دفع عالمی جدید یمکن أن یتحدى شبکه سویفت للدفع الدولی.
فی هذا الخضم، ونظراً إلى التطورات الکبرى فی النظام الدولی، یمکننا القول إن الصین لدیها طاقات أکبر من غیرها لتحدی النظام المالی القائم على الدولار. تعد بکین حالیاً ثانی أکبر اقتصاد فی العالم، ومن المتوقع أن تصبح القوه الاقتصادیه الأولى فی العالم خلال العقد المقبل. الهیاکل المؤسسیه الجدیده للبلاد، والتی یمکن أن توفر قواعد ومعاییر اقتصادیه جدیده تتعارض مع المعاییر المقدمه فی صندوق النقد الدولی والبنک الدولی، تسمح للبلد بوضع قواعد ومعاییر اقتصادیه جدیده، تختلف تماماً عما کان سائداً فی العقود السابقه.
مکنت هذه الطاقه الصین من تحدی الدولار بجدیه فی النظام المالی الدولی. یمکن مشاهده بروز هذا الأمر بوضوح فی الجهود المبذوله لتطویر الیوان الرقمی. یعتبر بنک الشعب الصینی حالیاً أکثر تقدماً فی تطویر العمله الرقمیه من أی بنک مرکزی کبیر آخر فی العالم. لا تبحث بکین عن الاستخدام المحلی فحسب، بل تبحث أیضاً عن تصمیم لاستخدامه فی نظام مالی عالمی یلعب فیه الدولار دوراً مرکزیاً. یمکن لهذا الإجراء، جنباً إلى جنب مع تطویر استخدام العمله الوطنیه فی العلاقات مع البلدان الأخرى، أن یلعب دوراً حاسماً یؤدی فی نهایه المطاف إلى تهمیش الدولار فی المعاملات العالمیه. یمکن رؤیه ذلک بوضوح فی العلاقات مع موسکو. على سبیل المثال، فی عام 2015، کان حوالی 90٪ من معاملاتهم الثنائیه بالدولار، بینما فی الأشهر الأربعه الأولى من عام 2020، انخفض هذا إلى 61٪.
کما اتخذت روسیا هذا النهج فی طلیعه تعاملاتها التجاریه، خاصه مع تصاعد التوترات مع الغرب ومواجهه العقوبات الأمریکیه والأوروبیه. وفقاً لکیریل دیمترییف، رئیس صندوق الاستثمار الروسی المباشر، بلغت حصه الدولار فی مدفوعات التجاره الخارجیه لروسیا من 92 بالمائه فی السنوات الأخیره إلى 50 بالمائه. بینما ارتفعت المداولات التجاریه الدولیه الخاصه بالروبل من 3٪ إلى 14٪.
إذا أضفنا إلى هذه التطورات الإحصاءات الأخیره التی قدمها صندوق النقد الدولی، یبدو الأمر أکثر استغراباً. حسب هذه الإحصائیات، بلغت حصه احتیاطیات الدولار الأمریکی فی البنوک المرکزیه فی الربع الأخیر من عام 2020 إلى مستوى 59٪ ، وهو أدنى مستوى منذ 25 عامًا.
ومع ذلک، على الرغم من هذه التغییرات، لا یمکن القول أننا سنشهد قریباً سقوط هیمنه الدولار فی المعاملات العالمیه. یمکن ملاحظه ذلک من خلال النظر إلى التاریخ. على سبیل المثال فی عام 1880، کانت بریطانیا تشکل 22.9% من الإنتاج العالمی، وفی عام 1913 انخفض هذا الرقم إلى 13.6%. لکن حصه الولایات المتحده من الإنتاج العالمی ارتفعت من 14.7% إلى 32% خلال نفس الفتره. أیضاً، بینما کانت حصه بریطانیا من التجاره العالمیه 23.2٪ فی عام 1880، فقد انخفضت إلى 14.1٪ بین عامی 1911 إلى 1913. کذلک، مع انخفاض الإنتاج الصناعی البریطانی، ارتفعت حصه الولایات المتحده من الإنتاج الصناعی العالمی من 7.2٪ عام 1860 إلى 18.5٪ عام 1900 و 39.3٪ عام 1928. ومع ذلک، ظلت العمله البریطانیه العمله الرئیسیه فی العالم لعده عقود قادمه. تقودنا هذه المقارنه التاریخیه إلى النقطه التی مفادها أنه؛ بما أن الولایات المتحده لدیها مکونات أخرى للقوه، فعلى الأقل لا نتوقع تغیراً فی مصیر الدولار بین عشیه وضحاها، لکن لا یمکن إنکار مسار هبوط دور الدولار أو إمکانیه استبداله بعملات أخرى فی المستقبل.
0 Comments