المجلس الإستراتيجي أونلاين ـ رأي: في أعقاب أحداث ساحة "تيان آن مين" في عام 1989 وما بعدها، كان انتقاد مقاربات بكين في شينجيانغ والتبت وهونغ كونغ وأجزاء أخرى من الصين من محاور ممارسات الضغوط الأمريكية على الصين. في السنوات الأخيرة، مع تصاعد التوترات في باقي المجالات، سعت الولايات المتحدة إلى زيادة الضغط على الصين من خلال الاستناد إلى قضايا حقوق الإنسان.
محمد جواد قهرماني ـ خبير في القضايا الآسيوية
على الرغم من أن هذه المواضیع کانت إحدى رکائز استراتیجیه “التمحور حول آسیا” لباراک أوباما، بشأن حقوق الإنسان وتعزیز الدیمقراطیه فی منطقه آسیا والمحیط الهادئ، إلا أنها لم تنل اهتماماً خلال رئاسه دونالد ترامب. ومع ذلک، مع صعود جو بایدن فی الولایات المتحده، أصبحت قضایا حقوق الإنسان مره أخرى من أولویات الولایات المتحده ضد الصین.
إن إلقاء نظره على قائمه إجراءات إداره بایدن خلال الشهر الماضی یظهر بوضوح جدیه الولایات المتحده فی هذا الأمر. على سبیل المثال ، فی 10 دیسمبر بالتزامن مع الیوم العالمی لحقوق الإنسان، فرضت الولایات المتحده عقوبات واسعه النطاق بشأن حقوق الإنسان على عشرات الأفراد والکیانات المرتبطه بالصین ومیانمار وکوریا الشمالیه وبنغلادیش؛ کما أضافت شرکه الذکاء الاصطناعی الصینیه Sense Time إلى قائمتها السوداء للإستثمار. بعد أسبوع، أعلنت وزاره التجاره الأمریکیه أنها أدرجت عدداً من شرکات التکنولوجیا الصینیه فی القائمه السوداء ومنعتها من التعامل مع الولایات المتحده. کانت ذروه نهج التحدی التی اتخذتها حکومه بایدن هی التوقیع على “قانون حظر استیراد السلع من شینجیانغ”. جعل هذا الإجراء، الولایات المتحده أول دوله تحظر تقریباً جمیع المستوردات من هذه المنطقه.
فی وقت سابق من شهر یولیو، أصدرت وزاره الخارجیه الأمریکیه بیاناً تتهم فیه الحکومه الصینیه بارتکاب انتهاکات واسعه النطاق فی منطقه شینجیانغ وأماکن أخرى من هذه الدوله. فی 13 یولیو، أضافت حکومه بایدن أربعه عشر شرکه إلى قائمتها الاقتصادیه السوداء، وفی مارس، فرضت عقوبات على اثنین من المسؤولین الصینیین لدورهما فی انتهاکات خطیره لحقوق الإنسان ضد الأقلیات العرقیه فی شینجیانغ. أحد أسباب إعلان البیت الأبیض عن عزمه لمقاطعه الألعاب الأولمبیه الشتویه فی الصین الاستشهاد بـ”الإباده الجماعیه والجرائم ضد الإنسانیه فی شینجیانغ وغیرها من انتهاکات حقوق الإنسان”.
تظهر هذه الحالات أن مجال “القیمیه – المعیاریه” أصبح أحد محاور المواجهه الجاده بین البلدین. من خلال هذه الضغوط تحاول الولایات المتحده، فی الوقت الذی تقدم فیه صوره سلبیه عن الصین، خلق ازدواجیه مما یجعل التعاون مع الصین مکلفاً للدول الأخرى. فی الوقت نفسه، تحاول واشنطن إبراز المواجهه بین النظامین السیاسیین فی البلدین. کان هذا واضحاً بشکل خاص فی قمه الدیمقراطیه، التی عقدت فی 9 و 10 دیسمبر/کانون الأول 2021.
أظهر مجال المنافسه هذا، نفسه أکثر من أی وقت مضى فی العلاقات بین البلدین، على الأقل خلال السنوات الأخیره، مع تفشی فیروس کورونا. حیث سعت الصین إلى ربط نجاحها فی التعامل مع جائحه فیروس کورونا بنظامها السیاسی الکفؤ. لهذا السبب تحاول الولایات المتحده أکثر من أی وقت مضى، التشکیک فی طریقه الحکم التی تمارسها الصین.
من أجل إثبات هذه الثنائیه، یحاول البیت الأبیض جلب الدول ذات التفکیر المماثل إلى جانبها. على سبیل المثال، فی الحظر المفروض بشأن حقوق الإنسان على میانمار، انضمت بریطانیا وکندا أیضاً إلى الولایات المتحده، مما یدل على أن التنسیق والاصطفاف مع الدول ذات التفکیر المماثل فی مواجهه الصین لا یشمل فقط التحالفات العسکریه والاقتصادیه، بل یشمل أیضاً المجالات الناعمه. وتجدر الإشاره فی هذا الصدد إلى تصریحات “والی أدیمو” نائب وزیر الخزانه الأمریکی، عندما قال: “ترسل الإجراءات الأمریکیه، خاصه الإجراءات المتخذه مع بریطانیا وکندا، رساله مفادها أن الدیمقراطیات فی جمیع أنحاء العالم ستتخذ إجراءات ضد أولئک الذین یسیئون استخدام سلطه الحکومه لفرض المعاناه والقمع.”
بالنسبه للولایات المتحده، یمکن أن یکون لهذه الممارسه إنجازات ملموسه. على سبیل المثال، فی سیاق مخاوف حقوق الإنسان فی شینجیانغ، فی الوقت الذی یتنافس فیه البلدان فی مجال التکنولوجیا تضغط الولایات المتحده على شرکات التکنولوجیا الصینیه من خلال تقیید إمکانیه التعاون معها. کذلک، اعتباراً بأن إحدى سیاسات بکین فی شینجیانغ هی السعی لتحقیق التنمیه الاقتصادیه فی هذه المنطقه، فإن الحظر المفروض على الواردات من هذه المنطقه یسبب بعض الصعوبات فی تمریر سیاسه التنمیه المتوازنه للصین. فی الوقت نفسه، على الرغم من معارضه الصین، تمت دعوه تایوان لحضور قمه الدیمقراطیه، والتی یمکن تقییمها فی إطار نزع الشرعیه عن سیاسات بکین.
إجمالیاً، من خلال وضع الضغوط الأمریکیه على الصین بشأن حقوق الإنسان إلى جانب الأبعاد الأخرى للعلاقات بین البلدین، کالمجالات العسکریه والأمنیه والاقتصادیه، یتضح من ذلک أن العلاقات بین البلدین دخلت مرحله جدیده تتمیز بـ “المنافسه”؛ وإن کان من المتوقع أن یضع الجانبان “إداره المنافسه” على جدول الأعمال لتفادی سوء التقدیر وتصعید التوترات کی لا تخرج عن السیطره.
0 Comments