جدیدترین مطالب
الموازنة في سلسلة نقاط الاختناق؛ من الردع البحري إلى الدبلوماسية متعددة المسارات
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: تشير التطورات الأخيرة في الجغرافيا السياسية لغرب آسيا، بدءاً من تصاعد التوترات في الخليج الفارسي، مروراً بالتحركات الصاروخية والمسيّرات في البحر الأحمر، وصولاً إلى التحذير الأخير الصادر عن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بشأن تهديد حرية الملاحة، إلى تحول جوهري في طبيعة الصراع؛ إذ لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقتصر على إطار إقليمي ومحلي، بل امتدت لتربط بين ممرين حيويين للاقتصاد العالمي، هما مضيق هرمز ومضيق باب المندب.
أحدث المقالات
الموازنة في سلسلة نقاط الاختناق؛ من الردع البحري إلى الدبلوماسية متعددة المسارات
المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: تشير التطورات الأخيرة في الجغرافيا السياسية لغرب آسيا، بدءاً من تصاعد التوترات في الخليج الفارسي، مروراً بالتحركات الصاروخية والمسيّرات في البحر الأحمر، وصولاً إلى التحذير الأخير الصادر عن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بشأن تهديد حرية الملاحة، إلى تحول جوهري في طبيعة الصراع؛ إذ لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقتصر على إطار إقليمي ومحلي، بل امتدت لتربط بين ممرين حيويين للاقتصاد العالمي، هما مضيق هرمز ومضيق باب المندب.
استراتيجية الولايات المتحدة تجاه مضيق هرمز في مواجهة مصالح الصين

عابد اكبري – خبير في الشؤون الدولية
على مدى العقود الماضية، دأبت الولايات المتحدة على تبرير دورها في الخليج الفارسي بمفاهيم مثل ضمان أمن الطاقة وحماية حرية الملاحة. غير أن السياسات الأمريكية في المنطقة، في الواقع، غالباً ما كانت مصحوبة بمجموعة من التوترات السياسية والتنافسات الأمنية والأزمات الدورية. وقد أدى هذا الوضع، ولا سيما من منظور فاعلين مثل الصين التي تعتمد على التدفق المستقر للطاقة من الخليج الفارسي، إلى خلق نوع من عدم الاستقرار الهيكلي في إدارة أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
ومن وجهة نظر العديد من المحللين الصينيين، فإن أحد التحديات الأساسية لسياسة الولايات المتحدة في الخليج الفارسي يتمثل في عدم القدرة على إنشاء إطار أمني مستدام وشامل للمنطقة. فالوجود الأمريكي والسياسات التي تتبعها واشنطن في المنطقة غالباً ما تم تعريفها ضمن إطار تحالفات محدودة وتنافسات جيوسياسية، وليس في شكل ترتيبات يمكنها دمج المصالح المتنوعة للفاعلين الإقليميين في آلية جماعية. ونتيجة لهذا النهج، يستمر مستوى من عدم الثقة والتنافس الذي أصبح بحد ذاته أحد مصادر عدم اليقين لأمن الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز.
ويتمثل تحدٍ آخر في ارتباط سياسة الطاقة والأمن البحري بالتنافسات الجيوسياسية الأوسع. ففي السنوات الأخيرة، ومع تصاعد المنافسة بين واشنطن وبكين، أشارت بعض النقاشات في الأوساط الاستراتيجية الأمريكية إلى إمكانية استخدام الضغوط الاقتصادية والبحرية ضد الصين. وحتى لو لم تتحول هذه الآراء بالضرورة إلى سياسة رسمية، فإن طرح مثل هذه الأفكار بالنسبة لدولة مثل الصين التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة يُعد مؤشراً على هشاشة النظام القائم في مسارات الطاقة الحيوية.
ومن هذا المنظور، فإن المسألة بالنسبة لبكين لا تقتصر فقط على أمن مضيق هرمز؛ بل يُطرح سؤال أكثر جوهرية حول طبيعة النظام البحري العالمي. فإذا تأثر أمن الممرات الحيوية للتجارة العالمية عملياً بالتنافسات الجيوسياسية، فإن الدول التي تعتمد اقتصاداتها على التدفق الحر للطاقة ستضطر حتماً إلى البحث عن استراتيجيات بديلة لتقليل هشاشتها.
وقد اتخذ رد الصين على هذا الوضع في الغالب شكل استراتيجية متعددة الأبعاد. أولاً، سعت بكين إلى إنشاء شبكة من الاعتمادات الاقتصادية المتبادلة من خلال توسيع علاقاتها الاقتصادية والطاقوية مع دول الخليج الفارسي، بحيث تصبح بحد ذاتها عاملاً للاستقرار. وتُعد الصين اليوم واحدة من أهم الشركاء التجاريين للعديد من دول المنطقة، ويخلق هذا الترابط الاقتصادي حافزاً مشتركاً للحفاظ على استقرار مسارات الطاقة.
ثانياً، تسعى الصين، قدر الإمكان، إلى الإسهام في تقليل التوترات الجيوسياسية في المنطقة من خلال دبلوماسية نشطة. وقد اعتُبرت وساطة بكين في عملية تطبيع العلاقات بين إيران والسعودية في السنوات الأخيرة، من منظور العديد من المراقبين، مؤشراً على سعي الصين إلى لعب دور مختلف في إدارة التوترات الإقليمية. وبالنسبة لدولة تؤمِّن جزءاً مهماً من أمنها الطاقوي من الخليج الفارسي، فإن خفض التوتر بين الفاعلين الرئيسيين في المنطقة يرتبط بشكل مباشر بمصالحها الاستراتيجية.
ثالثاً، وعلى مستوى أوسع، سعت الصين إلى إنشاء مسارات أكثر تنوعاً للتجارة والطاقة من خلال مشاريع البنية التحتية والممرات الاقتصادية. ويمكن اعتبار مبادرة الحزام والطريق جزءاً من هذا الجهد الأوسع لتقليل الاعتماد المطلق على مسارات بحرية محددة. وعلى الرغم من أن مضيق هرمز سيظل أحد المسارات الحيوية لاقتصاد الصين، فإن تنويع خيارات العبور يمكن أن يقلل إلى حد ما من نقاط الضعف الاستراتيجية، وتعكس هذه التطورات منطق الواقعية الصينية المألوف في النظام الدولي. فالقوى الكبرى تسعى دائماً إلى تقليل نقاط ضعفها الهيكلية وتوفير خيارات أكثر لضمان مصالحها الحيوية في مواجهة حالات عدم اليقين البيئي. وفي مثل هذا الإطار، يمكن اعتبار ردة فعل الصين لحالات عدم اليقين القائمة في أمن ممرات الطاقة الحيوية محاولة لإدارة هذه النقاط من الضعف.
وفي الختام، فإن مضيق هرمز اليوم ليس مجرد ممر للطاقة، بل هو مرآة تنعكس فيها أيضاً تحديات النظام العالمي. ومن منظور الصين، فإن القضية الأهم ليست التنافس على السيطرة على هذا الممر، بل إنشاء ترتيبات قادرة على حماية استقراره من تقلبات التنافسات الجيوسياسية. وإذا أصبح أمن هذه المسارات منخرطاً بشكل مفرط في تنافس القوى الكبرى، فإن التكلفة ستقع في نهاية المطاف على عاتق الاقتصاد العالمي. ولهذا السبب، بالنسبة للعديد من الفاعلين المعتمدين على الطاقة، ولا سيما في آسيا، فإن النهج الذي يؤكد على التعاون مع إيران لخفض التوتر، والتعاون الاقتصادي، والإدارة الشاملة للأمن الإقليمي، يُعد خياراً أكثر واقعية للحفاظ على الاستقرار في أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
0 Comments