المجلس الاستراتيجي أونلاين ـ رأي: تُظهر تجربة السنوات الثلاث والنصف من الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وما رافقها من توترات في هذا الإطار مع الغرب، أنّ الروس لم يتراجعوا في أيّ مرحلة أمام الضغوط الغربية المفروضة عليهم، بما في ذلك العقوبات، بل أدّت تلك الضغوط إلى تصعيد التوترات والخلافات والمواجهات، سواء في المنطقة أو في العلاقات بين روسيا والغرب. وعملياً، فإنّ كلّ محاولة في هذا الاتجاه لم تُسفر حتى اليوم عن نتائج إيجابية بالنسبة للأوكرانيين، بل كانت عواقبها عليهم سلبية، إذ واجهوا مزيداً من الهجمات الروسية.
محمود شوری ـ نائب مدیر معهد الدراسات الإیرانیه – الأوراسیه (إیراس)
إنّ هدف القوى الغربیه من تشدید العقوبات لیس إجبار روسیا على التفاوض، بل هی تدرک أنها دخلت فی نزاع لا نهایه له مع موسکو، ولذلک تسعى إلى تحقیق أهدافها من خلال إضعاف روسیا تدریجیاً. ومع ذلک، فإنّ روسیا بدورها تمتلک أدواتها الخاصه لمواجهه العقوبات. ومن ثمّ، فإنّ ما یمکن أن یدفع موسکو للجلوس على طاوله المفاوضات لیس التهدید أو الضغط المتزاید، بل تقدیم التنازلات، التی قد تُفضی إلى موافقتها على التفاوض. ومع ذلک، حتى فی هذا الإطار، لن تقدّم روسیا تنازلات کبیره، بل ستسعى إلى انتزاع المزید من المکاسب، وذلک لتجنّب تصعید الحرب أکثر. أی إنّ الغرب سیکون مضطراً إلى تقدیم تنازلات کی لا تُصعّد روسیا الحرب، لا لکی تتراجع عن مواقفها.
أما ردّ فعل موسکو على تشدید العقوبات ومصادره محتمله لأموالها فی أوروبا لصالح أوکرانیا، فهو أیضاً یستحق الاهتمام والتحلیل. فقد أکّد المسؤولون الروس، بشأن العقوبات الجدیده التی فرضتها أوروبا والولایات المتحده أو العقوبات السابقه، أنّ مثل هذه الإجراءات لن تؤدی إلا إلى تصعید التوتر، ولن یکون لها أیّ تأثیر فی سیاسات روسیا. هذا إلى جانب أنّ قسماً کبیراً من تلک العقوبات لیس سوى محاوله من أوروبا والولایات المتحده لإظهار أنّ لدیهما ما زال أدوات یمکن استخدامُها فی ملف الحرب الأوکرانیه، فی حین أنّ الواقع یُظهر أنّهما قد استنفدا تقریباً کلّ ما فی جعبتهما من أدوات العقوبات ضد روسیا، وأنّ سکّین العقوبات باتت تَفقد حدّتها، والعقوبات الجدیده لا تُضیف شیئًا یُذکر إلى العقوبات السابقه.
صحیح أنّ جزءاً من العقوبات یتعلّق بفرضها على دولٍ ثالثه، ما یؤثر بدرجهٍ ما على مبیعات النفط الروسیه، لکنّ التجربه أثبتت أنّ روسیا قادره، فی المدى القصیر والمتوسط، على التکیّف مع الظروف الجدیده.
غیر أنّ ما یبعث على القلق أکثر هو أنّ استمرار هذا النهج سیؤدّی إلى تصعید الحرب، وقد یُفضی ذلک إلى استخدام أسلحه وتجهیزات عسکریه جدیده من کلا الطرفین، الأمر الذی سیقضی عملیاً على أیّ فرصه للحوار أو التفاوض.
وفیما یتعلّق بآفاق الحرب الأوکرانیه، یمکن القول إنّ ما جرى فی هذه الحرب خلّف جرحاً عمیقاً فی العلاقات بین روسیا والغرب، جرحاً لا یبدو قابلاً للالتئام بأیّ شکل؛ فلا روسیا ستتراجع عن الأراضی التی استولت علیها فی أوکرانیا، ولا الغرب سیتراجع عن عقوباته. واستمرار هذا الوضع لن یؤدی إلا إلى مزید من التصعید والمواجهات، بدلاً من أن یفتح الطریق أمام حوار جادّ من أجل السلام أو التوصّل إلى اتفاق.
0 Comments